عرض مشاركة واحدة
01-05-2008, 06:23 AM   #2
شريرة
مشرفه
Crown4
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
الدولة: فلسطين - خان يونس
المشاركات: 3,245

وفي بحثنا عن موضوع فنون سكان الكهوف في مختلف البقاع، نجده لا يخرج عن تصوير الحيوانات ورحلات الصيد والصراع مع ثور البيسون "يعيش في أمريكا" والذئاب، ومحاولات صيد الخنزير وغزال الرنة، كل صوروا الحصان والماموث. وتتمتع الصور بكل الخصائص كحرية التخطيط والملاحظة الخاطفة، والتعامل العريض مع الخط والتدرج اللوني والتعاطف الشخصي مع الموضوع، وهو ما يجعل هذه الرسوم أعمالا فنية مثيرة جدا. وفي اتفاقنا على أن الفن نشاط إبداعي من شأنه أن يصنع أشياء أو ينتج موضوعات، لا ينحصر في اختيارها بقدر ما ينحصر في صياغاتها والتعبير عنها، لذلك يمكن استنتاج أن الفنان البدائي الأول كان ينحو صراحة وعن قصد إلى صناعة أشياء أو خلق موجودات فردية يكون وجودها هي غاية تلك الفنون، وهو ما يؤكده علماء علم الجمال المعاصرون أن علم الجمال ليس من شأنه أن يضعنا إزاء فنانين أو مبدعين، إنما يضعنا وجها لوجه أمام "أعمال فنية وموجودات مبدعة"، فلن يكون في وسعنا أن نعد الفن مجرد تفكير شخصي، أو تأمل ذاتي يقوم به الفنان، بل لا بد من التسليم بأن الفن هو مجموعة "الضرورات " التي تفرض نفسها على الفنان، بوصفها معيارا وسندا يستعين بها في صميم تجربته الجمالية، لذلك يأتي الموضوع منطويا على أثر ساكن لمسار حققه النشاط البشري في حركته الحياتية.
بينما يرى فوسيون أن "العمل الفني " ليس مجرد خط بياني يرسم لنا سير حركة ما، كما أنه ليس مجرد ظاهرة مصاحبة للفعل، إنها هو شيء يتمتع بوجود خاص، نظرا لأنه موضوع قائم بذاته.
لذلك يعد الموضوع داخل اللوحة انعكاسا صادقا للانشغالات الفكرية والروحية للعصر الذي يحيا فيه الفنان، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل يمكن أن نتقصى تطورا تاريخيا معينا لمضامين ومحتوى العمل الفني؟.
لكن مع الأسف حقا أننا لا نملك أي دليل على تلك الفترات التي أعقبت العصر المجدلاني، تفيد حركة تطور الفن، إلى أن شهد العالم قيام الحضارة المصرية القديمة، فقد غلف هذه الفترات غموض محير، وحين بدأ الفن بالظهور ثانية مع إفرازات فنون الحضارات من بلاد النهرين وسوريا ولبنان وفلسطين، وبلاد الأناضول، وإيران، فإنه من الطبيعي أن يكون قد فقد كل الخصائص الواقعية التي كانت تميز رسوم الكهوف لما قبل التاريخ.
وبحلول "عصر الأسرات " في الدولة القديمة المصرية، أصبح الموضوع في العمل الفني وغايته في خدمة الصفوة والنبلاء والأمراء، وهي سمة اشتركت فيها أغلب فنون الحضارات على اختلافها وتباينها وتنوع مشاربها.
عصر النهضة
أما العصر الأوربي الوسيط، وتحت تأثير اللاهوت البيزنطي، كان موضوع اللوحة هو عظمة الله وقدسية السيد المسيح، وأمجاد القديسين وأزلية القاعدة الأخلاقية، فقد كان موضوع الفن هو التعبير عما في عمل الخالق من جلالة ومهابة.
وفي الوقت الذي اعتلت فيه طبقة التجار في إيطاليا الهرم الاجتماعي إحلالا للطبقة الأرستقراطية الإقطاعية ملاك الأراضي اتجه "جيوتو" وأتباعه إلى استنباط النزعة الإنسانية في حياة المسيح.
ومنذ أول شعاع مع عصر النهضة الأوربية في القرن الخامس عشر وجد المصورون أن موضوعهم هو الإنسان بكل عنفوانه، وعلو مقامه، كدعوة لإحياء التراث الإغريقي، ثم اتسع الموضوع فأضاف عصر الإصلاح إلى اهتمامات الفنان " الإنسان العادي " وقد ظلت هذه التوجهات ردحا من الزمن، إلى أن اتجه فنان القرن الثامن عشر إلى الاهتمام بالإنسان فكرا وعاطفة.
ما أن هل القرن التاسع عشر حتى ظهر في الأفق شعار الثورة ضد كل ما هو قائم ومدروس ومقبول سواء في مجال الفن أو السياسة أو الاجتماع وحتى العقائد، فقد كان وراء هذه النظرة الجديدة للعالم فلاسفة مثل جان جاك روسو ووليام جودوين وشعراء مثل وردز ورث وكوليردج وشيلي وبايرون، بالإضافة إلى المثاليين الألمان، حيث مجدت هذه الحركة الرومانسية الجديدة الفرد وآمنت بقوة الروح فوق المادة، وأحاطت شخصية الإنسان بهالة من القداسة، واحتلت ملكتا الخيال والحدس محل العقل والمنطق، ولم يعد الفن في ضوء فلسفتها مرآة للحياة، وإنما مصباح ينيرها ويضيف إليها عوالم جديدة ورؤى من نفس الفنان ذاته، ولم يعد الفنان مخلوقا اجتماعيا موهوبا بل أصبح فيلسوفا. وتحت تأثير هذه النظرة الرومانيكية في منتصف القرن التاسع عشر، كان الموضوع في الفن يتطور تطورا حثيثا نحو الأجواء الحالمة، فظهر الإنسان الشاعر بطلا لأغلب أعمال هذه الفترة، لكن هذا القرن كان يحمل الكثير من المفاجآت والاكتشافات العلمية، لذلك أصبح الموضوع في الفن هو ما يراه الإنسان من العالم المرئي، واستجلاء جوانب هذا العالم وفقا للقوانين العلمية، وعلى الأخص قوانين الضوء والرؤية البصرية، تلك القوانين التي أصبحت أساسا ومنطلقا للانطباعية.
قد يذهب البعض إلى أن الفن الحديث بدأ مع الانطباعية، ولم تتضح منطلقاته الأساسية إلا في بداية القرن العشرين، بل في السنوات التي سبقت الحرب العالمية الأولى، لكن من المؤكد أن هذا الرأي تناسى تأثير الثورة الفرنسية وما أحدثته من تبدل في المفاهيم العامة، التي انعكست بالتالي على تطور الحركة الفنية في القرن التاسع عشر. فمن غير المتصور أن نبحث عن نقطة محددة تشكل بداية للحركة الفنية الحديثة، وأن نجعل من سيزان مؤسسا للفن الحديث، كما فعل هربرت ريد عندما قال: "لا شك أن في أصل ما سمي بالحركة الفنية الحديثة توجد عزيمة مصور فرنسي ثابتة وعنيدة لرؤية العالم موضوعيا"، بل العديد من مؤرخي الفن وجدوا في عمل سيزان ونظرياته منطلقا للفن الحديث، وهذا ليس تقليلا من شأن فنان كسيزان ودوره.
لكن يمكن القول إن تواصلا واستمرارا عبر مراحل تطور عوامل اجتماعية واقتصادية وفلسفية وفكرية، وتاريخية أيضا، رافقها تحول في الرؤية الفنية والمنهج والأسلوب والتوجهات أدى إلى ميلاد الفن الحديث من رحم قرن التحولات "القرن التاسع عشر".

تابع للموضوع
--------------
ومع أواخر ذلك القرن وجد الفنان نفسه بحاجة إلى موضوع جديد، فقد بليت الموضوعات القديمة، واستنفدت أغراضها مثل ليمونة امتص رحيقها، بعد أن فقد الملهمون الكبار أبطال عصر النهضة الكلاسيكيون الإغريق طلاوتهم وقوة تأثيرهم، فلم يعد الإنسان في بهائه وعظمته بمقنع كثيرا، كما بدا النمط الرومانيكي سخيفا ومثيرا للسخرية، وعلى الأخص بعد أن واجه الأكاديمية.
كما فقدت الطبيعة بدورها إغراءها الساحر للفنان وتأثيرها العاطفي من خلال النظرية العلمية المحايدة الباردة، على أن العالم بدوره ما لبث أن سلب الإنسان حجمه الطبيعي الذي كان له، فلم يعد المرء مركزا للوجود كما كان.
صرخة التعبيرية
شريرة غير متواجد حالياً