عرض مشاركة واحدة
06-28-2011, 12:17 PM   #112
زهرة الكاميليا
شريك استاذ
stars-2-7
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
الدولة: مصر - اسكندريه
المشاركات: 2,663

القبانى وولديه محمد وعادل



فى تحول جديد
لتوديع مهنة الحياكة وللأبد
كتب القبانى
فى جريدة الجمهورية
مقالا بعنوان
: "ترزى عربى للبيع"
يعدد فيه جوائزه الأدبية ومواهبه
ويتهكم على صناعة الترزية وعلى الدولة
التى لم تستطع أن تجد له عملاً يصون به كرامته

كما وجه هذه الأبيات شاكيا حاله
إلى الأستاذ محمد خلف عميد كلية الآداب
وكان يعرفه من خلال الندوات الأدبية
والذى كان قد عينه ملاحظاً
بمتحف الكلية بمكافأة مؤقتة

أيرضيك أنى هنا ريشة
أخاف النسيم وأخشى البلل
أرى الصبح أمنية الحائرين
وأخشى به أن يكون الزلل
وأنت العليم
بأنى امرؤ تجمد فى طاقة من خجل
أأشقى بحظى
فى أمة تثل العروش وتبنى الدول؟

لمست الأبيات والرجاء قلب الأستاذ خلف الله
فما كان منه إلا نشر إعلان طلب تعيين
تنطبق شروطه على القبانى
لتثبيته فى وظيفته كملاحظ بمتحف الكلية

فبقى فى وظيفته تلك من العام 1957
حتى عام 1978
عندما وصل إلى سن التقاعد.

يعد عبد العليم القباني
من شعراء الاتجاه الكلاسيكي
الذين تمكنوا من أدواتهم تمكناً تاماً
ولهذا استطاع أن ينوّع في بنية قصائده
تتغلب عليه لأحيان قليلة روح التمرد والغضب
ليعود مجددا لصفاته الاصيلة ..
الوسطية والتسامح والحوار
والتسلح بالبراهين والأدلة
بمضامين واضحة لا لبس فيها
يجد فيها المتلقى راحة وتمس مشاعره .
مولع بالتاريخ وتفاصيله كل الولع
فصدقت فيه صفة شاعر القومية العربية
إذ شغل الشعر القومى حيزا كبيرا من إبداعاته

وعُدْتُ إلى أيام قومي
أصوغها ملاحمَ تروى.. أو مآسيَ تُذكرُ !



فأصدر
ديوان أشعار قومية عام 1966
وديوان ملحمة الثورة العرابية عام 1982
إستغرق فى كتابته ثلاث سنوات
و كانت محصلته 3 آلاف بيت
تناول الثورة منذ الارهاصات الأولى
حتى نهايتها فى موقعة التل الكبير
ديوان
هو الوحيد من نوعه فى مصر
ويعبر عن ابداع وعبقرية القبانى بلا مقارنة



الزعيم والقائد العسكرى أحمد عرايى


فى ذكرى
يوم عابدين 9-10-1881
يوم مشهود فى تاريخ مصر
حين توجه أحمد عرابى
مع وفد شعبى وعسكرى
الى الخديوى توفيق فى قصر عابدبن
لعزل حكومة رياض
وزيادة عدد الجيش
وتشكيل مجلس نيابى
فإستنكر توفيق ذلك الأمر قائلا
لا حق لكم وأنا الخديوى وأنتم عبيد إحساناتنا
فقال الزعيم احمد عرابى
قولة الكرامة الخالدة
لقد خلقنا الله أحرارا
ولم يخلقنا تراثا أو عقارا
فوالله الذى لا إله إلا هو
سوف لا نورث ولا نستعبد بعد اليوم !

ذكرى وكيف ؟وهل يطويك نسيان ؟
وأنت فى موكب الابطال عنوان
إن الذى فى كتاب الخلد سيرته
وفى نهى الشعب لا تطويه أزمان
وكيف ينساك شعب أنت موقظه
من بعد ما لفه الصمت أزمان
دعوته .. فإستجابت منه دائرة
وذكريات وأحلام وأشجان
وحطم القيد فإرتاعت لوثبته
ممالك وإنحنت للروع تيجان !

وكتب القبانى
ملحمة الحملة الفرنسية
من الأعمال الشعرية التي تثبت مقدرة الشاعر .
فقد كتبها تحت عنوان :
أبو الهول المصري في مواجهة النسر الفرنسي
وهي عبارة عن قصيدة
تقع في 400 (أربعمائة) بيت
كتبت جميعها على البحر الطويل
وأبياتها جميعها على قافية واحدة
تلتزم برويّ حرف الراء
وقد استهلها بقوله:

إلى أيِّ ثَغْرٍ ـ قَبَّلَ الكأسَ ـ تنظرُ؟
ومن أيِّ سهمٍ أيها القلبُ تَحْذَرُ ؟
مكانك فأهدأواستمع
كل صبوة لها أجل والعمر كالزهر يضمر
ألست معى أن الشباب الذى مضى
أحق بدمعى إن بكيت وأجدر؟
لى الله ..اما حاضرى فمضيّع
وأما مصيرى فالرؤى منه تسخر !

ومن بين أبيات الملحمة نورد البداية
فى وصف النسر الفرنسى
نابليون بونابرت
قائد الحملة الفرنسية



دعته الى الشرق العتيد مطامع
عراض وأحلام من الشرق تؤثر
ودنيا أساطير على النيل لم تزل
تؤرق أعماق الطغاة وتسحر
فأقدم ..والأجيال ترتج
خشية لوثبته والموج يهدر !


وكتب عبد العليم القبانى
الأغنيات والقصائد المطوّلات
والقصائد القصيرة، والرباعيات
ونَظَمَ عدداً من القصائد المترجمة
كماكتب ثلاث مسرحيات شعرية ذات الفصل الواحد،
صدرت تحت عنوان (قوس قزح)
عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.
كما كتب عبد العليم القباني عدداً من الدراسات القيمة
مثل كتابه (موقف شوقي والشعراء المصريين
من الخلافة العثمانية)
وكتاب (رواد الشعر السكندري)
كما كتب دراسات غير مسبوقة
مثل كتاب فخري أبو السعود،
وكتاب عبد الحميد السنوسي
وكتاب مع الشعراء أصحاب الحرف
وكانت حصيلة إبداعاته
إصدار ثلاثة وعشرين كتاباً
منها 11 ديواناً شعرياً و12 بحثاً.
ولعل في هذه الإشارات إلى أعماله
دليلاً على مقدار التنوع
الذي حفلت به كتاباته الشعرية
ومدى تفاعله بأدواته الإبداعية
مع المجتمع وظروف الوطن السياسية .
كما تتميز اعماله باختيارات جديدة
من حيث الفكرة والأسبقية فى عدم التناول .

لا تشيع بالدمع يوما تولى
فى شعاب الزمان حتى اضمحلا
قم وغرد فإن صبحا جديدا

كان فى خاطر الوجود أطلا .

ويطرق القبانى كل المجالات
وبأسلوب يتناسب مع الموضوع
فهو رومانسى فى الانسانيات
وهو واقعى حين يتحدث عن الشعب
وهو جزل فى الرثاء ورقيق فى الغزل
وساخر حينما يتناول أصعب الأمور وأبسطها.

أشكو إلى الله قوما قد صحبتهموا
وكان ظنى فيهم أنهم بشر
ظننت أن ثمار العلم تمنحهم
ذوقا وظرفا ولكن خاننى النظر
أقول كى تستريح النفس هم بقر
فتشمئز وتلوى رؤوسها البقر!

ومن ديوانه الزجلى
من غير زواق

قالت لى بختك فى الفنجـــــان رايق وسكره بزيـــــاده
قلت لها بس دا من عطفـــــــك احلوت القهوه السـاده

وزجل " بنت من قلقشنده:
حبيت بنيه من قلقشنده/ عنيها تسكر كما البرنده
لقيتها طالعه من الفرنده/ بصت لى بصه خليتنى انده
والشمس طالعه والدنيا زانده/ خلونى أعمل من روحى تنده
ومن ساعتها مافيش مسانده/ ولاقادر ابعد عن المكان ده
وبوصف حالى ماليت أجنده/ ياهوه ياعالم فيه حسن من ده

وكان للقباني حضور وتأثيركبير
في فترات من حياته الشعرية
لم يتحقق لغيره من شعراء الإسكندرية
مثال ذلك ما حدث أثناء العدوان الثلاثي
على مصر سنة 1956م
فقد علّق الأهالي قصيدته
فى إعلانات ورقية كبيرة
على جدران البيوت
و فى ميادين وشوارع مدينة السويس

لا..
لن أعود لمنزلي..
لا.. لن أعود
إن العدو الحاقد الموتور
يخترق الحدود
سأرده
سأريه كيف تسودُ
في الحرب الأسود
ثم يقول:
إني سأجتاح السدود
سأدك جدران الوجود
سأزود عن وطني المجيد
بالنار والدم والحديد
وأعود منتصراً.. وإلا
لن أعود !

ولايحفل القباني كثيراً بالصورة الفنية في شعره
لكنه يهتم بالعبارة المؤثرة
التي تستطيع أن تشغل ذهن المتلقي وتؤثر في مشاعره
وتستدعي لديه أحاسيس إنسانية
يشترك فيها معظم الناس

قصيدة إنطلاق
وهى من أهم قصائده وأقربها لقلب المتلقى
وكانت تطلب منه بإستمرار.


انطلق وامض إلى حيث تريدْ
عالي الجبهة مضموم اليدِ
انطلق واصعد.. ودع يأس العبيد
لا يلي القمة من لم يصعد
ثم يقول القباني مسترسلا
كن من القسوة أقسى.. ومن الرحمة أرحم
ومن الصخرة أكدى..
ومن الدوحة أكرم
ومن البومة أنعى..
ومن البلبل أرخم
وكن الليث إذا ما زأر الليث
وأقدم
واقتطف من كل غصن زهره
واغتنم من كل كرم ثمره
وَاسْمُ بالوحدة إن خان الصديق
ودع الأمس يولي من يدك
وتحفز لغدك
وانطلق.. وامض.. وسر
هكذا.. الدنيا تمر !

عام 1980
ضربت مصر أحداث فتنة طائفية
فكتب عبد العليم القبانى
المهموم بالقومية والإنسانية والمجتمع

نبأ فى غياهب الشك أسرى
مصر من شرّه تعود وتبرأ
لا تلمنى إذا إنتفضت فعذرى
أننى لم أطق على الزيف صبرا
باطل كل ما يشاع وإفك
وضلال يلوى الحقيقة قسرا
إنما نحن مسلمين وقبطا
كائتلاف العين يمنى ويسرا !

فى برنامج تليفزيونى
سأله مقدم برنامج أمسية ثقافية
الشاعر فاروق شوشة




عن عدم نزوحه للقاهرة
فأجابه
أثناء وجودى بها
بسبب بعض الارتباطات
التى تلزمنى بالبقاء عدة أيام
أخشى المرور من أمام ميدان رمسيس
حيث محطة القطارات
حتى لا أندفع لركوب أى شئ يأخذنى إليها..
الإسكندرية !


ناء الشاعر تحت وطأة فاجعة
ألمت به فى عام واحد
بوفاة إبنه محمد 37 عاما
وإبنته سهير 35 عاما
فى ذلك يقول إبنه فاضل عبد العليم القبانى



شهد رحمه الله رحيل أخي (محمد)
وأختي (سهير) في عام واحد 1981م
حيث استقبل قضاء الله بكل الصبر والإيمان .
وأهدى روحيهما الشبابية ديوانا أسماه "لله والرسول"

نقتبس من صفحاته
هذه الابيات فى رثاء ولده محمد

بغمضة عينيه استضاءت حقيقتي
وبالصمت دوت في دمي ألف صرخة
فلا تلبسوا الأشياء غير ثيابها
فلا الدرع بالواقي ولا القوس بالَتي
خلعت رداء الزيف عني فلم أعد
أرى غير قبض الريح في كـل قبضة
وإذ أنت في حضني أحسـكـ نائماً
وأنت من الأخرى على باب هوة
وإذ بكـ تصحو ثم ترتد ساكناً
كأن المنايا قد ونت فاستحثت
وعدت إلى نفسي و بي صعقة الذي
لوت ركنه الأسرار لما تجلَت
أناديكـ مقهور الكيان كأنما
على كاهلي ألقوا بوزر الخليقة
فإنكـ تدري الآن أي فجيعة
بفقدكـ طافت بالمعاني فجفت
وما خفقان القلب ما أنت سامعُ
ولكنها الآمال هانت فدكت

ويسترسل فاضل فى وصف والده الشاعر الكبير
لقد كان زوجا وفيا صادقا في مشاعره



وفى هذا الصدد أيضا نورد شعرا للشاعر
عبد العليم القبانى
هو خالص حب وصفاء مودة
بعد عشرة دافئة دامت لأكثر من أربعين سنة

شريكة العمر أنىّ
أفى صنيعك شكره ؟
كفانى اليوم أنى
سعدت منك بزهرة
بها أعطر أمسى
وأستعد لبكره
يا حلوة الروح إناّ
بين المحبين غرّة !

الأربعون والخمس مرت جفانا ونضرة
فما تنكرت مرة ولا تنكرت مرة
أثريت عمرك حبا بل أنت فجرّت نهره
إذا الصباح تبدى فأنت أول نظرة
وإذا طويت نهارى فأنت أخر فكره
وإن طغى الموج كنا معا على الشط صخرة
فإن قسا الدهر عشنا نغتال بالحب مرّة
حتى تعود الليالى بحبنا مستقرة !


ويستكمل فاضل :
وأذكر أن والدتي عندما لبت نداء ربها
في أكتوبر عام 2000م
أصابته حالة اكتئاب
وأصبح أكثر ميلا إلى الوحدة والانفراد بنفسه
وكان يخفي عنا دموعه
بعد هذه المحنة الأليمة التي هزته هزاً عنيفا
لأنها شريكة حياته على مدى أكثر من خمسين عاما

دهانى من الأحداث ما إن بعضه
إذا مس قرص الشمس تفحما
ومن تكن الأقدار قيدا لخطوه
فليس بمنجيه الفرار إلى السما
شقيت بأمالى وقد كن جنتى
فأصبحن فى جنبى جمرا وأسهما
وأمسيت وحدى
يشرق الفجر ضاحكا
فأبصر فيه للأمانى مأتما !

ومن مفارقات القدر
أنه لم يتشبث بالحياة بعدها طويلا
حيث لبى نداء ربه ولحق بها في دار الحق
بعد رحيلها بأقل من ثلاثة أشهر
فى شهر يناير 2001

إستغرق القبانى شعر طاغور
فترجم له قصائد عدة فى صياغة جميلة عذبة :

دقت الساعة التي أنت تدري
أنها الحق في كتاب الخليقه
فابتسم للسراب حولك يمضي
وابتسم إذ طرقت باب الحقيقه




مالت الشمس للغروب وقالت
أيها الكون من ينيرك بعدى ؟
فأجاب المصباح ..وهو ضئيل
فى إعتزاز
لسوف ابذل جهدى !


كتب ودراسات عنه
شعر عبد العليم القباني:
رسالة الماجيستير
للشاعرة الراحلة
أمل سعد علي
الهيئة العامة لقصور الثقافة
القاهرة، 2010




وقد بذلت فيه الشاعرة الشابة
جهدا كبيرا واضحا
خاصة مع عدم وجود مراجع سابقة
ليصبح كتابها مرجعا للشاعر القبانى
وللشعر السكندرى .

أنشأت الثقافة الجماهيرية جائزة باسمه
فى الشعر تمنح للفائز الأول فيه
أختير الشاعر موضوعا
للحصول على درجتى الماجستير والدكتوراه
لطلاب فى جامعات مصر
كان الشاعر موضوعا لدراسات
قام بها بعض أساتذة كلية الآداب
جامعة الإسكندرية ولبعض المثقفين.


كانت هذه المشاركة
بمثابة إمتنان لشاعر مبدع
تحدى ما يشبه المستحيل
مفجرا طاقات ذاتية وموهبة كامنة
خرجت به من حارة ضيقة فى باب سدرة
إلى آفاق بلا حدود
فعرفته الإسكندرية ومحافل الشعر والأدب
إسما بارزا لامعا
بل هرما سكندريا خالدا !
تحياتى
زهرة الكاميليا غير متواجد حالياً