عرض مشاركة واحدة
11-15-2007, 01:31 PM   #8
عبدالحكيم
شريك
stars-1-3
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
الدولة: سوريا
المشاركات: 65

[]تابع حكايا الجدة:
كتب لي صديقي يقول:
ما رأيك بهذه الحكاياحتى الان؟
فكتبت له أقول:
-أخي العزيز بصراحة حكايتك مع رأس الحمار أكثر جمالاَ
من الحكايا الأخرى..هذا أولاَ ...وثانياَ: كتبت لي أخت فاضلة
تقول :ان هذه الحكايا هي ذاتها الحكايا
التي قصتها عليها جدتها.. وطبعاَ هذا بعد كل التعديلات التي
أجريتها أنا على حكايا جدتك ياعزيزي..فما الفائدة من كتابة حكايا
يعرفها الناس ...لذلك أشكرك لتعاونك
وأسأل الله الرحمة لجدتك..لك مني كل الحب والسلام..
ولكن صديقي العنيد كتب لي يقول: مهلا مهلا لا تنس أن عندي
جدة أخرى تسكن في المدينة وهي تملك كنزاَ حقيقياَ من القصص الواقعية
التي حدثت معها أو مع معارفها ..سأرسل لك واحدة تصرف بها كما تشاء
وإن لم تعجبك لن أصدع رأسك بالمزيد أعدك...
وانتظرت رسالة صديقي ..وجاءت الرسالة تقول:
جدتي الثانية امرأة مكافحة ..عملت في الخياطة بعد أن هاجرت هي
وزوجها من لواء الاسكندرون وسكنت في حي الميدان في دمشق..
كنا ذات يوم نجلس على ضوء المصباح الكهربائي الأصفر
الشاحب في غرفة لا أعلم حقاَ إن كانت مبنية بالطين المخلوط بالقش
أم بالحجر..ما أذكره هو أن سقف تلك الغرفة كان عاليا بصورة مرعبة
وكان مسقوفا بصف أنيق ونظيف من الاخشاب الاسطوانية الشكل التي تحكي
قصة أشجار من أعمار متقاربة ومن جنس واحد..وكان الطلاء الابيض
الذي يصبغ الجدران باهتا ومشققا وكان ثمة نافذةوحيدةمن الخشب
الانيق المدهون بالازرق المخضر تجاور باب الغرفة الخشبي أيضا..
كنا نستعد للسحور في رمضان المبارك ..وفي انتظار ابريق الشاي
أفلتت من شفاه جدتي حكاية فقالت ضاحكة:
اسمع يابني ..ولد في مثل سنك هذه..جاءني منذ عشر سنوات لأخيط
له قميصا مدرسيا(مريلة) وأخذت مقاسه وقلت له :" عد بعد أسبوع.".
وبعد أسبوع وبينما كنت عائدة من السوق وأنا أحمل أكياس الخضار
وأسير بتثاقل وبطء ..رأيت الولد يدخل في الزقاق الضيق الذي
ينتهي إلى باب منزلي ..ولم ينتبه إلى أنني خلفه..كان شارداَ
وبدا لي أنه يقبض على شيء ما بشدة ويخشى أن يفقده..فوقفت على
مقربة لأرى ماذا يصنع..طرق الباب بتردد..وصاح صوت حاد من
الداخل:"من.".فقال الولد:" أنا ..افتحوا.".وانتظر وانتظر ولم يفتح أحد..
فعاد الولد وطرق الباب بخجل..ومن جديد صاح الصوت :"من"
.فقال الولد:"أنا أنا جئت اخذ المريلة."..ولكن لم يفتح أحد هذه المرة أيضاَ..
فطرق الولد الباب بعصبية وإلحاح..وصاح الصوت من داخل البيت:"من"
فقال الولد بألم:"أنا ابن أم محمد ..الذي جاء من أسبوع لخياطة مريلة..جئت
اخذها " ولم يفتح أحد هذه المرة أيضاَ...وكنت أنا يا جدتي أقاوم رغبة شريرة
في الضحك وأنا أرى الولد يزداد قلقا وغضبا ..وفجاة راح يضرب الباب بكلتا
يديه وهو يضرب الأرض برجليه ويصرخ:" لماذا لا يفتح أحد هذا الباب اللعين
..جئت اخذ مريلتي ..لن يسمح لي الاستاذ بدخول الصف إن لم ألبسها..أرجوكم
افتحوا"ولم يتوقف الصوت الاتي من الداخل عن ترديد كلمة:"من" مع كل طرقة
وأخيرا التفت الولد إلى الخلف فتظاهرت بأنني أسير صوبه..وتنفس هو بعمق
وظهرت عليه إمارات الخجل..ثم سارع يقول:" أنا أطرق الباب منذ فترة..
يقولون من ولا يفتحون .." فقلت له:"تعال يابني" وفتحت الباب وطرقته وهو
مفتوح..فصاح الصوت الحاد:"من" ورفع الولد رأسه ليرى ببغائي العزيزة بو بو
في قفصها المعلق خلف الباب تهز رأسها بجذل.فقلت له :"هذه ببغائي علمتها
كيف تقول هذه الكلمة عندما يطرق الباب وهي تنتظر حبة مكسرات بعد كل
نطق لهذه الكلمة فماذا لديك لتعطيها ؟" فتح الولد يده ومد لي قطعة نقود وقال:
"هذه أجرة خياطة المريلة" قلت له:"هذه هدية من بوبو لك لتغفر لها ما سببته
لك من ألم" فضحك الولد وبدت عليه علائم فرح غامر ..فلم يكن من السهل
أبدا على ولد صغير في ذلك الزمن الحصول على قطعة نقود مماثلة إلا في
الأعياد..وأحضرت المريلة للولد الذي ازداد ضغطا على ما في يده ولم ينظر
إلى المريلة التي التقطها من يدي وكأنها لم تعد تعنيه..وبدا شاردا هذه المرة
أيضا ولكن في عالم اخر..لقد أهدى إلي قصة جميلة مضحكة واستحق قطعة
النقود..وبعد سنوات ماتت ببغائي العزيزة في ليلة عاصفة باردة.. وهذه القصة تذكرني
بها دائماَ..وها أنذا قد تركت الخياطة..انظر إلى ارتجاف يدي..إنه نهر الحياة
يسير ويسر ولا ينتبه إلى مسيرتة البطيئة السريعة إلا من يصغي جيدا ويتأمل
كثيرا..كدت يا بني أبلغ الحافة..حيث سيحملني الشلال إلى عالم اخر..
أنا مشتاقة إليه..مشتاقة كثيرا ياولدي..ودمعت عينا جدتي..وشعرت أنا برعب
غامر..ولكن ابريق الشاي انتفض في تلك اللحظة وأعلن لنا بداية السحور..
[/]
__________________

signature

عبدالحكيم غير متواجد حالياً