عرض مشاركة واحدة
10-22-2007, 04:19 PM   #1
عبدالحكيم
شريك
stars-1-3
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
الدولة: سوريا
المشاركات: 65
حكايا جدته وراس الحمار المرعبه

basmala

[]طلبت من صديق لي يعيش حاليا في الريف
أن يجمع لي حكايا جدته التي سمعت الكثير
عنها و طمعت أيضا في أن
أحصل منه على ذكر لبعض ما جرى له هناك في الأرياف
من قصص وأحداث أعرف أنه يبرع في وصفها وانتقائها..
فكتب لي يقول:
كل من عرف جدتي أحبها..كانت تملك مخزوناً هائلاً
من الحكايات العامرة بالجمال والموعظة..كانت تحب
أن أقرأ لها القصص مهما كان نوعها وكانت تحب أن
تعلق على أحداث القصة وتمتدح الطيبين من شخوصها
وتضرع إلى الله بعيون دامعة أن يتولى أمر الأشرار..
أما أنا فقد كنت شديد التدقيق في اختيار القصص التي
أحضرها لها معي من المدينة كل صيف..وكنت أكتشف
كل يوم قصة جديدة حفظتها جدتي من مكان ما ..
كنت أركب سيارة متهالكة تئن كثيراً وهي تصعد طريقاً
جبلية ساحرة تكتنفها كل أنواع الأشجار الحرجية..
وتفوح روائح النباتات البرية العطرية مع كل هبة نسيم..
وعندما أصل إلى بيت جدتي أجد بابا خشبياً مصفحاً برقائق
معدنية مدهونة بلون أخضر محبب..وحالما أدخل الدار تقابلني
شجرة توت عملاقة ومصطبة من التراب الأبيض الناعم النظيف
ً..في كثير من الأحيان لم أكن أجد أحداً في البيت..ورغم
ذلك تكون الأبواب كلها مفتوحة وكأنما هي في انتظاري..وخلف
باب غرفة المعيشة كوة كبيرة في الجدار مظلمة دائماً تقبع
فيها جرة ماء ..كم كنت أحب ذلك الماء ..بارد دوماً..أشرب
منه فأرتوي وأتلذذ برؤية الجدران المطلية بالكلس الأبيض..
ثم أرنو ببصري إلى السقف الخشبي الذي اسود كثيراً من
دخان الموقد المحفور في أرض الغرفة..لم أصادف هذا
الموقد مشتعلاً أبداً لأن كل زياراتي للقرية كانت في الصيف..
ولكنني كنت استمتع كثيراً بمنظر النار المشتعلة بين حجرين
كبيرين في الباحة الخارجية للدار..كانت الفئران تركض
وهي تصرخ بين العوارض الخشبيةالسوداء في السقف..
ويتساقط التراب أحياناً فوق رأسي..فئران لها بطن أبيض
ناعم وظهررمادي ..فئران مختلفة غير مقرفة...
وحالما تحضر جدتي تقبلني عشرات القبلات وتبكي من
الفرح وتسأل عن الجميع..ولا تجلس أبداً..طالما هناك
ضوء نهار لا تقعد..لديها دائما عمل يجب إنجازه..
إطعام الدجاجات ..إبعادها عن بعض الأشياء التي لا أذكر ماهي..
ربما بعض الخضراوات المزروعة..أو بعض الثمار
المفروشة في طبق من القش..ظلال الأشجار كانت مقعدي..
وما أكثرها ..كل ما حولي كان غارقاً في الظل..فعلى
اشجار البلوط صعدت عرائش العنب ورسمت مظلة
كثيفة من الأغصان والأوراق..وعلى الأجزاء السفلى من الجذوع
تسلقت نباتات القرع وحملت ثماراً تشبه جرار الماء ..
وانتشرت أشجار الرمان والتين والخوخ في كل فراغ تحت
أشجار البلوط والسندبان العملاقة..وبين الأغصان راحت
السناجب والعصافير تعزف سمفونية أحلامها وتعلن حدود
ممالكها المنسية الهشة ...وطوال النهار كنت اتأمل ذلك
الخلق البديع لخالق كريم رحيم أعطانا الأمان والسلام وأتساءل
لماذا أنا وحدي هنا يا رب ؟ ألا يوجد في هذه الأرض طفل
صغيرمثلي يحب تأمل هذا الجمال والحديث عنه..وحالما
يأتي المساء ..تدب حياة جديدة مختلفة تماما ..يعود عمي
وزوجته من الحقول والمساكب التي تحتاج إلى عمل دائب
لتعطي ثمارها..ويتدفق سيل كثيف هادر من الأبقار والأغنام
والماعز والحمير فوق الطريق الترابية عائدين إلى المنازل..
وأتساءل أنا أين كان كل ذلك الحشد..وتتعالى الضوضاء
في المنزل ساعة ريثما يأخذ كل حي مكانه ...البقرة في مكان
منخفض قرب السور الحجري المغطى بالحطب اليابس..
والأغنام والماعز في زاوية رطبة مظلمة تحت أجمةا لرمان ..
والحمار قرب النافذة مربوط إلى شجرة التوت ..ويهدأ كل
شيء ويختفي الجميع..أنا وجدتي فقط ..نجلس في الغرفة
التي يتراقص فيها ضوء السراج شحيحاً ضعيفاً..يثيرالخيال
ويرسم على الجدران مئات الأشكال المرعبة..والفئران في
السقف تعزف ألحان شجاراتها المتواصلة..وتبدأ جدتي حكايتها
قائلة:
اسمع ياولدي ..سأقص عليك قصة الفلاح الذي شاب وهو في
ريعان الشباب..ثم قصة شاب اخر اشتعل رأسه بالشيب حتى
غدا أبيضاً كالحليب بعد أن كان أسوداً كالفحم..ثم قصة أرملة
صالح الشحاذ التي ابيض رأسها كالثلج في ليلة باردة عاصفة..
وتزفر جدتي زفرة عميقة وتتلمس رأسها الأشيب ولا تبوح أبدا
بقصة شيبها هي..وأقترب أنا منها خائفاً وأحس قشعريرة تسري
في جسدي ورعباً يملأ صدري وأكاد أقول لها توقفي بالله عليك
لا أريد سماع القصص المرعبة ولكن جدتي تريد أن تزيح عن
كاهلها شيئاً ما ولن أحرمها الفرصة..وأتظاهر بأنني مقبل على
الحكايا وأنا زاهد فيها رحمة بجدتي التي يثقلها بوح ما.. تريد
أن يشاركها إياه طفل عاقل مثلي..لطالما عاملته بكل تقدير..
وتتابع جدتي الكلام قائلة:
في يوم من الأيام يا سيدنا الأفندي ..وفي ليلة مظلمة ليس فيها ضوء
قمر سقط المطر فجأة على رأس الفلاح العائد إلى قريته من القرية
المجاورة..وهبت ريح شرقية عاوية..فطاش صواب المسكين وراحت
عيونه تجوس الأنحاء بحثاً عن ملاذ فلم تبصر إلا الظلام والخواء
وبصيص نور ضعيف ينبعث من بعيد ..فركض الفلاح إليه مؤملا
ركنا دافئا
[/]
__________________

signature

عبدالحكيم غير متواجد حالياً