عرض مشاركة واحدة
03-03-2011, 04:32 PM   #5
ملاك البستان
عضو في انتظار التفعيل البريدي
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
الدولة: الايميل المسجل غير مستخدم
المشاركات: 5,657


قولوا لنا: إن كنتم من ديننا فعلام لا تتحاكمون إلى شريعة ديننا
وتفضلون الأجنبي إذا تشرع أو حكم؟
وتقاومون معاهد الإسلام
وعلومه وثقافة الإسلام في أسمى أصالة
وتراثنا السامي وجامعة بناها الأولون
وتتابعت في رفع رايتها القرون
وتفجرت منها العلوم وكل شيخ قائم بالدرس، بالتفكير والإبداع
والتنوير والتبشير بالدين الحنيف
ويرفع ألوية الحضارة في أفريقيا
وينقل معرفة الجدود إلى أوربا الجاحدة
وتشجعون مدارس التبشير والتنصير
ومعاهد المتهودين
ومراكز البعثات
وتسامحون مبشري الزيغ الجديد
زيغ البهائية الحقود
حلف الصهاينة الكنود
ودعاة كل الهرطقات وكل تحريف وهدم
والريب والتجريد والعدمية
مع ذاك هل أنتم لنا؟ من ديننا؟
قولوا لنا: هل أنتم من ديننا؟ من قومنا؟ من شعبنا؟ من أرضنا؟ قولوا لنا!
* * *

وقد أدرك شاعرنا علال بوعيه السياسي والاجتماعي والثقافي أن العدو المحتل بات مؤكداً عنده أن مأتى الاحتلال ومدخل الغزو في الأمة الإسلامية كافة هو ضربها في دينها وقرآنها ولغتها، وإحداث قطيعة بينها وبين هذه الأصول التي بها ترتبط حضارتها وقوتها وكيانها. فراح يصرفها عن ذلك ويربطها بنواقضه، مستعملاً في ذلك كل ما يملك من الوسائل والإمكانات، ومجنداً له كل طاقاته. ومن ثم فإن شاعرنا لم يفته أن يعي بهذا المخطط الرهيب، ويتفطن لهذه المؤامرات المرعبة، فجعل ضمن صرخاته الجهادية الثورية: الدعوة إلى الحفاظ على القرآن واللغة العربية، لأن حفظ اللغة العربية يضمن حفظ القرآن، وحفظ القرآن يضمن حفظ الدين، وحفظ الدين يضمن حفظ شخصيتنا وهويتنا الحضارية وكياننا الآدمي وسيادتنا الإسلامية العليا. يقول ـ رحمه الله ـ في قصيدته ”اضطهاد لغة القرآن“([16]):

إلى متى لغة القرآن تضطهدُ
أما دروا أنها في الدهر عُدَّتُهم
ولن تقوم لهم في الناس قائمة
إن لم تتم لهم بالضاد معرفة
إن العقيدة في الأوطان ناقصة
وكيف يصغون للأعداء تذكرها
تـآمــروا وأعــدوا كــل مـدرســة

ويستبيح حماها الأهل والولد
وما لهم دونها في الكون ملتحد
أو يستقيم لهم في العيش ما نشدوا
أو يكتمل لهم في الضاد معتقد
ما لم تكن للسان الشعب تستند
وأصل ما وصفوه الحقد والحسد
بـها قـواعـد الاسـتعـمـار تـقـتـعد



تعلم الجهل بالماضي الذي صنعت
وتنكر اللغة الفصحـى وما نظمـت

يد العروبة والآتي الذي تعد
من المعـاني وفيـها العـلـم والرشـد


ويستمر في صرخته هذه مندداً بالعدو الكائد، موعياً بمخططاته ومؤامراته على لغة الإسلام، ناعياً على المتقاعسين العاجزين الذين ماتت فيهم الغيرة على دينهم ومقدساتهم، ثم يوجه فيها خطابه إلى الحكومة ويحملها مسؤولية حماية اللغة العربية والدفاع عنها من ضربات العدو وأتباع العدو([17]):

قل للحكومة والأيام شاهدة
عودي إلى خطة ترضى البلاد بها
وحرري الضاد حتى يستبين لها
عار رواسب الاستعمار نكلأها
عار قد استعجمـت أقوالنا وغدت

عودي إلى الحق لا يصددك منتقد
ويستقيم بها للملة الأود
مجالها الحر لا قيد ولا صفد
وعندها الجهل والإذلال والكمد
أفـكـارنـا بمعـانـي الخصـم تـتحــد


ولم يكن يغيب عن شاعرنا أن مسؤولية حماية اللغة والدفاع عنها، وجعلها لغة التعليم والتدريس والإدارة، غير مقصورة على الحكومة بل هي مسؤولية الشعب أيضاً وأمانة في عنق أبنائه عليهم أن ينهضوا بها ويطالبوا بحقوقهم فيها ويقوموا لها قومة رجل واحد([18]):

الأمر للشعب فليعلن إرادته
إنا بني الوطن الأسمى الأُساةُ له
من لا يؤدي إلى الأوطان واجبه
هبوا بني الوطن الأسمى إلى عمل
وناصروا الضاد في كل المواقـف إذ

وكلنا طاعة للأمر يعتمد
والجند للضاد نحميها ونجتهد
فهو العدو فما ترضى به البلد
من شأنه الفوز للأوطان والرَّغَدُ
من فـوزها غايـة التحريـر تـمتـهـد


وبهذه الروح نفسها يطلق صرخاته دفاعاً عن القرآن، ودعوة إلى الاستمساك به والحفاظ عليه، لأن في ذلك حفظ الدين وإقامة شرائعه وأحكامه. فالقرآن دستور المسلمين، وأصل تشريعهم الرباني. يقول ـ رحمه الله ـ ضمن قصيدته الطويلة التي نظمها بمناسبة مرور أربعة عشر قرناً على نزول القرآن الكريم([19]):


يا أمة قرآنها دستورها
عودي إلى الدين الحنيف عقيدة
ما في سوى القـرآن خـير يـجتـبـى
الله خَارَكَ للرسالة فانهضي
ميراث أحمد دينه وكتابه
قل للذين رضوا ثقافة غيرهم
أيليق أن تبقى العروبة بيننا
جربـتــم دعـوات غــيـر مـحمــد

وزعيمها كان النبيَّ المرسلا
وشيعة وتخلقاً وتعقلا
أو في سـوى الإسـلام نهـج يبتلـى
لتواصلي عمل الجدود الأولا
لك عدة تغنيك عما أعملا
وتصوروا الإسلام عهداً قد خلا
جسدا بلا روح ولفظاً عطلا
ماذا جنيتـم هل عقدتـم مـوصـلا؟


وفي أجيج هذه الصرخات الشعرية المحركة، لم يفت شاعرنا علالاً أن يخص بعطفه وحنانه الفئات المستضعفة في مجتمعه، فيطالب بحقوقها ورفع الحيف عنها، وصرف الاهتمام والعناية إليها مسوية بينها وبين سائر فئات المجتمع حتى يكتمل البناء وتلتحم الصياغة. وينصب اهتمامه على الفلاح والمـرأة بوجه خاص:
أما الفلاح، فلأنه العنصر الذي قاسى كثيراً، وظلم كثيراً، وأعطى كثيراً، وأخذ قليلاً. يقول رحمه الله ضمن قصيدته ”الفلاح المغربي“ ([20]):

ويح حال الفلاح أصبح عبدا
نــزعــوا أرضــه وغـلــوا يــديـــه

وغدا عيشه عناء ونكدا
سلـبـوه الـعـيـش السـعـيــد الأودا


كل يوم تصيبه نكبات
صار مرمى استغلال كل قوي
يطلب الحاكم الضيافة منه
ويـرى القـائــد "التويــزة" شـرطـا

جعلته إلى النوائب قصدا
ومجالاً للنهب من يتصدى
وهو للضيف لم يكن مستعدا
لحـيــاة الــفـــلاح لا يــتــعـــدى


ويمضي في صرخته إلى أن يقول مخاطباً المستنزفين والمستغلين والغاصبين، مذكياً في نفوس الفلاحين روح الغيرة على الكرامة والدفاع عن النفس وحقوقها:

أيـهـا الآكـلــون مــن عــــرق الفـــــــــــلاح أنـى تــرون في العـيـش رغـدا
أيها السالبون نوم بنيه
أيـهـا الـهـازئـون من دمعـة الـشـا

اهجعوا سوف يبدل النوم سهدا
كي ستغدو الدموع حقـداً وكيـدا


إلى أن يقول:

أرجعوا أرضه التي قد نزعتم
نحـن قــوم تـعــودوا الصـبر أحـيـا

وامنحوه الحياة ذلك أهدى
نــا ويـغــدون في الوقـائـع أســـدا


وأما المرأة، فقد دعا إلى تعليمها وتربيتها وإعدادها لوظيفتها الاجتماعية إلى جانب أخيها، وتحريرها من رواسب الجاهلية ومخلفات الاستعمار. ولعله بذلك أول من دعا إلى ذلك ونادى به في المغرب؛ يقول ضمن دعوته هذه ([21]):

يا قوم ما هاتي الجهالة منكم
البنت مثل الطفل إن أصلحتها
ربوا الفتاة على المعالي إنها
البـيـت عمدتـه الـفـتـاة فـإن تــدم

إني أرى سيل التعصب مفعما
صلحت، وإلا كنت أنت المجرما
إن هذبت تلج السبيل الأقوما
في الجهل أضحى ذا العماد مهدمـا


هكذا إذاً عاش الشاعر علال مجاهداً بشعره كما جاهد بعلمه ونضاله، وجعل من شعره الصادق الواضح أداة من أدوات رسالته التي عرف وزنها وقيمتها وقدرها حق قدرها. إنها رسالة العالم في حياته وواقعه ومجتمعه وأمته، إنها أمانة الجهاد والإصلاح والتغيير والبناء الحضاري، التي أناطها الله بالعلماء ورثة الأنبياء. ولقد أدى الرسالة وبلغ الأمانة ما وسعه ذلك، وجاءت رسالة العالم في شعره ـ كما رأينا ـ مشتملة على الأصول الآتية:

1 ـالدعوة إلى الحفاظ على الإسلام والاستمساك به والالتزام به عقيدة وشريعة؛
2 ـ الدعوة إلى الحفاظ على القرآن واللُّغة العربية؛
3 ـ الدعوة إلى الاستقلال والتحرر من التبعية والغزو الغربي المادي والمعنوي؛
4 ـ الدعوة إلى وحدة الأمة الإسلامية وترصيص صفها؛
5 ـ الدعوة إلى الصبر والثبات والرسوخ على قيم الإسلام ومبادئه؛
6 ـ الدعوة إلى شحذ العزائم، والتربية على العزة الإيمانية والاستعلاء في الحق؛
7 ـ الدعوة إلى رد الحقوق إلى أصحابها المهضومين المستضعفين؛
وقد جمع هذا كله في مقطع من قصيدته الطويلة: ”توقيعات الذكرى“ ([22]):
كفاحاً إلى أن تنال البلاد، وشعب البلاد، جميع الحقوق
يميناً بحق الشرف
لنجلي الأجانب عن أرضنا
ونسترجع المغتصب
نعيد إلى الشعب سلطته
نعيد إلى الفرد حريته
نعيد لعاملنا رزقه
نجدد للفكر قيمته
نعيد إلى الدين حرمته
نعيد إلى الضاد مركزها
ونخلص للأمة العربية
ونعمل للوحدة العربية
عليكـم بني وطـني أملي فسيروا معي إنني معكم
بـني وطـني وبــني أمـتي إلى ساحة العمل الملتقى

وإذا كان الأستاذ علال الفاسي قد تواعد بني وطنه وأمته ساحة العمل، في قصيدته هذه التي نظمها قبل وفاته بنحو ثلاث سنين، فإني أقول محيياً إياه ومكبراً جهاده ونضاله وبطولته([23]):


صَرَخْتَ... فَأَسْمَعْتَ كُلَّ بَعِيدٍ
وَغَذَّيْتَ بِالفِكْرِ مَنْ قَدْ أَتَى
وَأَعْدَدْتَ جِيلاً سَوَاعِدُهُ
فَنَمْ آمِناً بِدِيَارِ البِلَى
ويـُـبْــصِـــرُ كُـــلٌّ نِـهَــــايَــتَــــهُ

وَنَادَيْتَ بِالقِيَمِ السَّامِيَه
يُجَلْجِلُهَا صَرْخَةً عَالِيَه
تُلَوِّحُ بِالرَّايَةِ الْقَانِيَه
غَداً نَلْتَقِي الفِئَةَ البَاغِيَه
وَتَـرْجِــعُ أَنْـفُــسُـنــا رَاضِـيَـه
ملاك البستان غير متواجد حالياً