عرض مشاركة واحدة
03-03-2011, 04:28 PM   #4
ملاك البستان
عضو في انتظار التفعيل البريدي
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
الدولة: الايميل المسجل غير مستخدم
المشاركات: 5,657

فانظر إلى هذه الصرخة التي أسمعها قومه وهو في آخر عهده بالدنيا، وقارنها بصرخاته الأولى المبكرة التي دوى بها في مجتمعه وهو فتى ابن سبع عشرة سنة، تجد أنها متكاملة متناغمة، ينظمها نسق واحد وعقد واحد ويستوعبها وعاء واحد ومعدن واحد أصيل.
لقد شب علال وتربى على الإيمان بالمبدإ والثبات عليه، وربى الشباب على الثبات والصبر، وظل في شعره يدعو إلى ذلك. من ذلك مثلاً قوله في قصيدته التي قالها وهو ابن 23 سنة([10]):

ثق يا بلادي أني ما أزال على
أنا الأبيّ الذي لا يستكين إلى
ما أن تلـين قنـاتـي عـنـد معـضلـةٍ

ما كان عندي من عزم وإيقان
ضيم ولا يختشي من كيد إنسان
ولا يضعضـع ركـني عنـد بـهـتـان
أنا الوفيُّ لشعبي والمدافع عن
لا يحسب القوم أن النفي يرجعني
أو أن عزمي يهوي في مؤامرة
ما النفي ما السجن بل ما الموت في وطنٍ
وطدت نفسي على ما كان من زمنٍ

قومي بكل يد عندي وعرفان
عن مبدإ حل في روحي وجسماني
قد دبرت من فرنسي وإسباني
ما زلت أرعاه إخلاصاً ويرعاني
فلست أخشى على عزمي وإيمانـي


وبهذه الثقة والثبات والرسوخ على المبدإ يخاطب قومه وأبناء وطنه من منفاه وهو ابن 28 سنة في قصيدة أخرى قائلاً([11]):

ويا وطني إن صرت عنك مغربا
لقيت بك الآلام لكنني على
وحسـبي هنـاءً أن أكـون مـعـذبـا

فحبك في قلبي يقيم على المدى
هواك مقام مخلص لك في الفدا
لتنـعم بالـعيـش الهــنـيء وتسـعـدا


ولا يفوته في هذه القصيدة أن يذكر أبناء قومه بما تحملوه من أمانة، وأنه متأكد من ثباتهم على المبدإ، وله يقين وثقة بالله أنه سيحقق آماله:

ولي ثقة في الشعب لابد أنه
سيبقى على ما قد رفعنا أساسه
وَعِـنْـدِيَ في الله اليـقــينُ بــأنَّــــهُ

سيعمل للمبدا الذي قد تقلدا
ويسلك في النهج الذي قد تعبدا
يحــقـق أمــالاً ويـبلــغ مـقـصـــدا


وإلى جانب رسوخه وثباته على القيم والمبادئ، وصبره وتحمله من أجل ذلك، فهو عزيز النفس، أبيّ، لا يقبل الضيم ولا يرضى بالدّنية، مستعد لتحمل الشدائد والمحن المادية والمعنوية دون أن يرضى بأن يكون محل إشفاق وعطف ولا أن يشمله جميل أحد أو صنيعه:

إني لأقبل موت الجوع معتزماً
ولست أقـبـل في الـلأْوَاءِِ أحملـهـا

كي لا أكون محل البذل والصدقة
أنـي أكـون محل العطـف والشفقـة


وهو يوطن نفسه للدفاع عن وطنه وبذل ما يملك في سبيل حمايته وجلب كرامته حتى ولو تخلى عنه الجميع. فهو مستعد ليفدي بلاده بنفسه وروحه ولا يقبل أن يشاركه في هذه المكرمة أحد:

إني لأقبل بذل النفس في وطني
ولست أقبل فيبذلي مشاركة
أموت للمغرب الأقصى على ثـقـة

كي ما يتم به كوني فنتحد
بل أبتغي بـفداه الدهر أنفرد
أن لن يموت معي من موطني أحـد



فهو ـ إذاً ـ لا يسمح لنفسه أن تكون دون منزلة العزة والإباء والاستعلاء في الحق والقوة والثقة بالنفس التي مأتاها الثقة بالله عز وجل. وقد أدرك برسوخه في هذه المنزلة واستقراره في هذا المقام، أنه لم يخلق لنفسه، وإنما خلق لدينه ووطنه، خلق من أجل الجهاد والتضحية لترسيخ القيم الإسلامية في مجتمعه وبنائه عليها بناء محكماً مرصوصاً لا تمتد إليه الأيدي ولا تؤثر فيه المعاول. وقد بث هذه المعاني السامية في كثير من قصائده، منها قوله في قصيدة : "نموت ويحيى الوطن"([12]):

لذة الموت حياة الوطن
هو بغياي التي أطلبها
أنـا لم أخلــق لنـفسـي إنمــا

وفداه من صروف الزمن
وهو لي كل فخار أبتني
أنـا مخـلـوق لأجــل الـوطـن


وهي معان كبيرة وقيم سامية استقاها من معدن الإسلام ورضع لبانها من ينابيعه، واستخلصها من قيمه وفضائله ومكارمه، واستوعبها من مادته ومضامينه، فصاغ نفسه منها، وبنى ذاته على أساسها، وراح يبثها في قومه ويبني نفوسهم عليها، إعداداً لأمة الجهاد التي تدافع عن دينها ووطنها، وتحمي دماءها وأعراضها وأموالها من يد العدو الغاشم، والمستعمر الظالم، ونظمه وقوانينه وقيمه التي ميع بها الأخلاق وأفسد بها المبادئ والمثل، وعلمانيته التي مزق بها شمل الدين والأمة، وحال بها بين الدين والدنيا، وبين الشريعة وحكم الحاكمين، فأصابها بذلك وهن وضعف وخور عميق راحت تلتمس جبره في الحلول الغربية الملفقة، وترجو ضماد جراحها في الاستسلام لهيمنة الغرب والانحناء أمام سوطه وقضيبه! فأدرك علال أن من لوازم رسالته ورسالة غيره من العلماء: تحريك الأمة المنكودة المستعمرة، وتحريضها على الجهاد والدفاع عن كرامتها وسيادتها، ودفعها بقوة إلى التحرر من سلطة الاستعمار وطغيانه المادي والمعنوي.
لقد أدرك علال أن أمته غزيت غزوين خطيرين: غزواً مادياً عسكرياً سياسياً، وغزواً فكرياً عقدياً ثقافياً إعلامياً؛ وأن التخلص من الغزو الأول رهين بقومة الأمة، وجمع شملها، ووحدة بنائها، وترصيص صفها، لأن في ذلك قوتها وصلابتها، ولأنها بذلك عزَّت وانتصرت في سابق مجدها. ومن ثم ركز السيد علال في تخطيطه لتحرير بلاده من هذا الغزو العسكري والسياسي على الدعوة إلى الوحدة والتعاون والانصهار في قيم الإسلام ومبادئه، والتجند الجماعي لحماية الإسلام وتحقيق مصالحه. يقول مقرراً هذه المعاني في قصيدته الملحمية التي نظمها بمناسبة ذكرى معركة وادي المخازن([13]):

بـني وطـني مـاذا دهـاكـم فصرتـم
أعيدوا لهذا الشعب ماضي مجد
ولا تدعـوا الأعـداء تعبـث بـيـنـنـا

إلى فرقة مبغوضة وتطاحن
وكونوا لنصر الحق خير مثابن
وتخـلـق فـيـنا موجبـات الـتـبـايــن


فمغربنا في حاجة لاتحادنا
ألسنـا بني الإسـلام والوطـن الـذي

لنكسب حقاً ضائعاً في التشاحن
توحـد بـالإسـلام بـين الأمـاكـن؟


وهذه الوحدة التي يدعو إليها مشروطة عنده بتوحيد العقيدة والتوجهات الكبرى، وتوحيد الأغراض الكبيرة التي تتطلع إليها النفوس. وفي ذلك يقول ضمن ملحمته السابقة([14]):

إذا نحن وحدنا العقيدة واستوَتْ
أصيخوا بني قومي لدعوة ناصح
فهـذا نـداء الحـق مـن كـل جانب

مطامحنا نلنا السها بالميامن
حريص على الإصلاح بالحق آمن
يــردده أبــطــال وادي المـخــازن


وأما التحرر من الغزو الفكري والثقافي والعقدي فطريقه أشق، ومصاعبه أشد. لذلك جاءت صرخاته فيه أعمق وأعلى صوتاً، لأن الأمة قد تحقق التحرر والاستقلال السياسي، لكنها تبقى مستعمرة فكرياً مشدودة إلى جهة المستعمر منبهرة به منصهرة في بوتقته ذائبة في شخصيته وذاته! وهذا أشد وأنكى من الغزو الأول. لذلك دعا الشاعر علال إلى التخلص من ضواغط الغرب وكسر قيوده، والتحرر الكامل من التبعة له. ونعى على أذنابه الذين ورثوا مخلفاته واستحفظوا على تركته ومتابعة سبيله التي سلكها بيده. وشنع على النابتة التي نبتت في أحضان الاستعمار وشبت على عينه ونُشِّئَتْ في حجره ويده! في مثل هؤلاء يطلق شاعرنا صرخته الشعرية، وأغرودته الشعورية الوجدانية التي سماها: ”أغنية من الباطن“ نفث فيها زفراته التي انبعثت من أعماقه وأطلق فيها ثورة بركانية على نفر من أبناء المغرب وَالوا الأجنبي المحتل، واستمرأوا الذل والهوان، وعقدوا أنفسهم على الهزيمة، ورضوا بالفشل، واستسلموا لليأس، وقبلوا أن يكونوا من الأتباع الأذلة الذين لا يرون إلا ما يراه السادة الحاكمون حقاً كان أو باطلاً، هذه الفئة التي يوجه إليها صرخته وثورته هجرت لغتها، وانبهرت بلغة المحتل، فأصبح لسانها غريباً في وطنها وعن أمتها، وهي أيضاً رضيت بحكم الأجنبي، وتخلت عن فكرة التحرير، فانساقت وراء ما يريده المحتل، مبررة ذلك بأسماء براقة من التقنية والتحرر والتقدمية…. وأكثر من ذلك فهي قد رضيت أن تكون حرباً على كل ما من شأنه أن يؤكد شخصية الأمة ويبعث فيها روح المقاومة للمعتدين والمحتلين، فحاربت بذلك دين الأمة الذي تؤمن به وتحتكم إليه، وزرعت في البلاد مقابل ذلك قوانين المستعمرين وأحكامهم ونظمهم، وقاومت المعاهد الإسلامية وخصوصاً جامعة القرويين التي كانت رمز الحفاظ على كيان الأمة، ونشرت مقابل ذلك مدارس التبشير وشجعت المذاهب المنحرفة التي تدين بالولاء للمحتلين كالبهائية والصهيونية. وفي الأخير، ينفي الشاعر علال أن تكون هذه الفئة ذات انتماء قومي مغربي وديني إسلامي، ويصفها بالخروج عن الأمة، ويعتبرها عدواً مع الأعداء، ويدعو إلى نبذها ومقاطعتها. يقول الشاعر علال في أغرودته هذه([15]):
قولوا لنا:
هل أنتم من قومنا؟
من شعبنا، من أرضنا؟
قولوا لنا:
هل أنتم من ديننا؟
من جنسنا من أهلنا؟
أم أنتم الإفرنج من أبناء غال؟
وتراثكم من غيرنا؟
قولوا لنا:
إن كنتم من قومنا، فعلام لا ترضون أن تتكلموا بلساننا؟
وعلام في كل المجالس تنطقون
تتحدثون وتدرسون وتكتبون
كأعاجم لا يعرفون من الكلام
سوى لغات الفاتحين؟
وتفرنسون شبابنا وبرامج التعليم
ومناهج التفكير والأبحاث والتدوين
وعلام لا ترضون بالعربية الفصحى
لغة الإدارة والدراسة والشؤون
قولوا لنا:
مع ذلك هل أنتم لنا
من قومنا
قولوا لنا.
* * *

إن كنتم من شعبنا فعلام لا تتحررون
تتحالفون مع الأجانب في ابتزاز متاعنا، أموالنا، خيراتنا
وتدافعون عن الرواسب، رأس مال الأجنبي
وتفضلون تراثه ورجاله ومعلميه
وتخلدون الهيمنات الأجنبية والتسلط باسم ما تدعونه بالتقنيه
تتحالفون لأنكم تخشون شعباً أنتم منه؟ كذلك تدعون
قولوا لنا. مع ذاك هل أنتم لنا، من شعبنا قولوا لنا.


* * *

إن كنتم من أرضنا فعلام لا تستعجلون
رد الأراضي من يد المستعمرين
وإلى يد الفلاح مزدرع الحقول
بفتات ما يرضى به المستعمرون
وذوو الحمى من قومنا، والغاصبون الأرض للفلاح باسم الحوز، حوز الظالمين
وعلام لا تستعجلون خروج جيش الأجنبي
وتحررون قواعد الوطن العزيز
قولوا لنا: إن كنتم من أرضنا فَعَلاَمَ لا تتقدمون، وتنظمون نضالنا
لنرد ما أخذوه، من أقطارنا، صحرائنا
ولنخرج الإسبان من تلك المدائن سبتة ومليلية ومن العيون
ولنسترد لأرضنا وادي الذهب
ومن الجيوب لدى الشمال وفي الجنوب
مع ذاك هل أنتم لنا؟
من أرضنا
ملاك البستان غير متواجد حالياً