عرض مشاركة واحدة
03-03-2011, 04:20 PM   #2
ملاك البستان
عضو في انتظار التفعيل البريدي
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
الدولة: الايميل المسجل غير مستخدم
المشاركات: 5,657

يمتاز الأستاذ علال الفاسي
ـ رحمه الله ـ، في مجال عطائه الشعري، بعمق شاعريته وصدقها، وطول نفسه الشعري، يدل على ذلك ويصدقه: كثرة شعره وغزارته، واستمرار إنتاجه من صباه إلى آخر حياته.
والمتأمل في شعر علال ـ على اختلاف أبنيته ومعانيه ومضامينه ـ يجد أنه من حيث المضمون لا يخرج عن المجال الديني والسياسي والاجتماعي إلا قليلاً. وتبعاً لذلك، فإنه من حيث الشكل، لا يكاد يجد فيه أثراً للجمال الفني ورونق الشعر وبهائه، إلا في قصائد معدودة، معظمها ـ أو كلها ـ من قبيل ما خرج عن شعره الديني والسياسي والاجتماعي. وسبب ذلك أن الرجل لم يستخدم شعره لذات الشعر، ولم يجعل منتهى شاعريته أن تخدم الجمال الفني وتبدع فيه، بل إنه جعل غايته فيه خدمة المبدإ الذي يومن به والفكرة التي يعتقد صوابها، والمعنى الذي ينقدح في قلبه وعقله. فهو إذاً شاعر المبدإ، وشاعر الفكرة، وشاعر المضمون، يهمه أن يبلغ غايته ـ في شعره ـ بعبارة واضحة مباشرة، يدركها الجميع، ويعيها الجميع، ويستجيب لها الكثير. وبعبارة جامعة: إنه شاعر رسالة.
إن العالم الحقيقي الذي يرث سر النبوة وتركتها، هو الذي يجاهد بعلمه ويسهم به في إصلاح المجتمع وبنائه على أساس قيم الإسلام ومبادئه وفضائله ومكارمه، باذلاً في سبيل ذلك فكره ووقته وماله ونفسه. وكذلك كان الأستاذ علال مجاهداً بعلمه على جبهات متعددة، وأشكال مختلفة؛ بنضاله السياسي، وإصلاحه الاجتماعي، وتدريسه، وتأليفه، وخطابته، وشعره. فالشعر ـ إذاً ـ جبهة من جبهات جهاده العلمي، وأداة من الأدوات التي اعتمدها في أداء رسالة العالم، ومن ثم لم يهتم بمظاهر الجمال الفني، والرونق الأدبي، إلا ما جاء من ذلك عفواً وسجية، وكأنه أحس ذلك واستعد له منذ طفولته حين قال في إحدى قصائده المبكرة

وما أنا ذو الشعر الذي طار صيته
فآتي بالسحر الحلال تحديا
ولكـنـني طـفــل تـسيـل دمـوعـــه

وردده من لا يزال مناغيا
وأنظم من شعري عقوداً غواليا
فينـظـمـهــا للقـارئــين قــوافـيـــا



ولقد كان الشعر أول وسيلة سلكها علال الفاسي في طريقه الجهادي والحركي والنضالي، وكان الشعر أول وسيلة اشتهر بها في مجتمعه وبين قومه، شاباً يحب الإصلاح والتغيير والبناء والتجديد لوطنه وأمته، واستمر يعتمد هذه الوسيلة إلى آخر حياته... خمسون عاماً ـ إذاً ـ كانت مملوءة بالعطاء الشعري الذي وقفه على خدمة دينه ووطنه وأمته.
ومنذ أن فتح عينيه في الدنيا، وجد نفسه في مجتمع يعبث به الاستعمار، وينعم بخيراته، ويستنزف دماء أبنائه ويستعبدهم، فأدرك خطورة الوضع ومرارة الواقع، فأعد نفسه وجندها لخوض المعركة وأداء الرسالة، وكانت صرخته الأولى هي تلك القصيدة التي بث فيها لوعته وتحسره على أمته المنكودة، وأمله في تحريرها من سلطة الاستعمار، واستعداده لإنقاذها بما يملك من نظر بعيد، ونفس لا تقبل الضيم ولا ترضى الظلم. يقول([3]) في مطلع هذه القصيدة وهو حينئذ ابن سبع عشرة سنة:

أبعد مرور الخمس عشرة ألعب
ولي نظر عال ونفس أبية
وعندي آمال أريد بلوغها
ولي أمة منكودة الحظ لم تجد
قضيت عليها زهر عمري تحسرا
ولا راق لي نـوم وإن نمـت سـاعـة

وألهو بلذات الحياة وأطرب
مقاماً على هام المجرة تطلب
تضيع إذا لاعبت دهري وتذهب
سبيلاً إلى العيش الذي تتطلب
فما ساغ لي طعم ولا لذ مشرب
فـإنـي عـلى جـمر الغـضا أتـقـلب


وإلى جانب تحسره على أمته المنكودة المنكوبة، فهو يتألم ويتضجر من أصحاب النفوس الصغيرة الذين يشغلهم متاع الدنيا عن أن يفكروا لتخليص البلاد من حكم المستعمر، ويجاهدوا في سبيل ذلك. ومن ثم فهو يتوجه إلى الشباب مثله ويعقد آماله عليهم في تحرير البلاد والعقول وردها إلى قوتها ومجدها. يقول في القصيدة نفسها


وما ساءني في القوم إلا عقولهم
وكنت أرى تحت العمائم حاجة
بـلـوت بـني أمـي سـنيـن عـديــدة

وظنهم أن المعالي تذهب
فما هي إلا أن يروم المرتب
فـألفـيت أن النـشء للخـير أقـرب



ولما كان الشباب هو البديل المرتقب، والمادة الصالحة لحمل راية الجهاد، والمعول عليه في الشدائد والصعاب، راح الشاعر علال يشحذ عزائمهم وينهض هممهم ويذكي فيهم روح الجهاد ويعدهم ليوم الكريهة بالتكوين العلمي والثقافي من جهة، والتحميس العاطفي من جهة ثانية. يقول في قصيدة أخرى مبكرة يخاطب بها الشباب وهو دون العشرين من عمره

كل صعب على الشباب يهون
قدم في الثرى وفوق الثريا
قد حسبناهم رجالاً فكانوا
مثلوا ما مضى لهم من فخار
لــيرى كـيـف ضـاع عــزم وعــز

هكذا همة الرجال تكون
همة قدرها هناك مكين
ولهم في الحياة مغزى ثمين
ليرى ما أتاه دهر خؤون
وعــرا بـعــــده فــتـــور وهـــون
ملاك البستان غير متواجد حالياً