عرض مشاركة واحدة
09-12-2007, 11:02 AM   #18
ثامر داود
vip
stars-2-2
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
الدولة: العراق - امريكا
المشاركات: 785

منظومة نحتية لأمرأة واحدة

1
بشار حربي

إذا كان النحات الفرنسي ( أوجست رودان ) قد بحث عن القيمة التعبيرية في طريقة التشكيل نفسها ، ولم يهتم بتمثيل الجسم البشري كاملا ً ( تمثال الأديب الفرنسي بلزاك مثلا ) ، فأن النحّات العراقي المبدع هيثم حسن في معرضه models المقام في دار الأندى بعمّان والذي تضمن 20 عملا ً نحتيا ً ( موديلا ً ) قد تناول المرأة ليس بأعتبارها نموذجا ً وقيمة ً جمالية فقط ، بل تعامل معها ككائن حي رأى في جمال جسدها وسيلة ً لخلق أشكال ذات دلالات جديدة بعد أن أخضعها لقانونه الذاتي ، وقد شاء أن يتعامل معهن كمنظومة نحتية لأمرأة واحدة بأنفعالاتها المتعددة وبفضاءات تفكيرها اللامحدود وبجرأتها في عرض تحولات جسدها التي لا تتبع فيزياءه فقط ، بل تتعدى ذلك على الدوام الى فرض طاقته الكامنة على محيطها البشري والبيئوي . في حين يمكنك أيضا ً أن ترى في مجمل أعمال ( موديلات ) المعرض ، عملا ً نحتيا ً واحدا ً لنساء ٍ متعددات ولحالات أنثوية غير متشابهة . إنه لا يجسد المرأة ، بل يجسد رؤيته الداخلية لها ويعكس حجم الصراع القائم بين وجودها الجمالي وبين هواجسها وقلقها من كيفية تعامل الآخر معها ، وبالتالي فأن منحوتات هيثم حسن تمثل أنعكاسات المرأة ( بأيجابياتها وسلبياتها ) في مخيلته ، بعد أن أستوعبها ثم أفرغها عملا ً إبداعيا ً كنحّات كبير ذو تجربة متميزة ويقدم أعماله بمفاهيم حديثة ومعاصرة تعتمد على القيم التجريدية أكثر من أعتمادها على تمثيل الطبيعة .
إن هيثم حسن بمجسماته الفنية الرائعة التي مزج فيها بين متعة اللون الذي ألفته الذائقة البصرية العربية من خلال اللوحة وبين المنحوتة ذات اللون الواحد ، من خلال تقنيات عمله الجديدة ( كولاج الفايبر كلاس مع القماش الملون ) ، أو من خلال خروجه على تقليدية النحت ، حين مزج بين قول أرسطو ( إن الأنسان الذي زودته الطبيعة باليد ، فهي أقوى الأسلحة التي يستطيع أن ينتج بها من الفنون ما يكمّـل به الطبيعة ويقوّمها ) وبين ثراء قاموسه البصري وتجلياته الفلسفية في نظرته لوظيفة الشراكة الأنسانية للمرأة والرجل في مفهوم التعاطي مع الحياة وإفرازاتها المعاصرة على كل منهما كعارض ٍ ومتلقي على التناوب .
لقد ثار هيثم حسن في هذا المعرض على نفسه ورفض الخضوع الى سياقات وتراتبيات التطور التقليدي في تجربة الفنان ، وآثر أن يكون في مقدمة اللحظة في سياقها الزمني ليقدم إنموذجا ً في المعاصرة والحداثة قد يؤسس الى تجربة إبداعية كبيرة في المستقبل ، سيّما إذا عرفنا أن منحوتاته قد جسّدت إمكانات الجسد الأنثوي على التشكيل وقدمت بحرفية عالية ( من خلال تقطيع هذا الجسد وإعادة هيكلته ) المكنونات الداخلية لهذا الجسد الذي ما أنفكّ يُعلن نفسه وعلى الدوام أميرا ً لقيم الجمال .
__________________

signature

ثامر داود غير متواجد حالياً