عرض مشاركة واحدة
12-26-2010, 10:06 AM   #36
منى سامى
مراقب عام
Crown5
 
تاريخ التسجيل: Oct 2007
الدولة: عيد ميلادك احلى عيد
المشاركات: 15,421

حوار مع فنان له فى القلب مكان
وفنان النهاردة
زكريا أحمد
ولم أجد أجمل من حواره مع كاتبتى المفضلة
سناء البيسى
أرجو أن تستمتعو به



لا غيرها تستدعيها أذني ليلة السفر لأظل أدندن بها
كموسيقي تصويرية لحشو حقائب
الرحيل سوي طقطوقة بكرة السفر التي
قام بصياغة لآلئها الموسيقار زكريا أحمد‏..
‏ وليس سواها ملجئا أبثه لواعج ومواجع ملل
وقسوة الانتظار‏:‏ أنا في انتظارك حطيت
إيدي علي خدي وعديت بالثانية غيابك
ولا جيت ياريتني عمري ما حبيت‏,‏
وما لدي سؤال أستمرئ استفساري
به لألوكه في فمي كقطعة المارون جلاسيه
لا أبغي عليه جوابا مثل‏:‏ هو صحيح الهوي غلاب
ما أعرفش أنا والهجر قالوا مرار وعذاب واليوم اليوم بسنة‏..‏
وأعدها من قبيل اللغو وسفسطة الكلام وتضييع الوقت
والعمر تلك النصيحة العقيمة التي
تحنو علي عذاباتي بقولها الساذج
داوها بالتي كانت هي الداء فإجابتي عنها‏:
‏ وأحب تاني ليه وأقول لقلبي إيه هو اللي
حبك يحب تاني‏..‏ ولا يدانيه في الصدق
جواب عن الحب سوي أن حلاوته بالقنطار
يدوقوا منها صغار وكبار حلاوة تطول
في الأعمار إذا ما يكونشي وراها فراق‏...‏
الشيخ زكريا أحمد‏.


السحر الذي يختفي وراء صوت أم كلثوم‏.‏ الغيمة التي تمطر طربا حلوا يشيع في ذاتك فتعرف أنك إنسان وأنك تريد أن تحب في أي سن تكون‏..‏ طرب الإنسان المحزون‏..‏ مفجر قدرة المرء اللامتناهية علي الحب‏..‏ بخور الشرق الأصيل‏..‏ ما إن تنساب موسيقاه الشرقية الشجية حتي يشع المكان بالنغم بالفرح بالأمل بالشجن بأنغام الوجد التي لم تكن تظن أنها موجودة في الأصل ولا كان حلمك يوما أن تعيش في جنباتها وجناتها‏..‏ وقتها كنت في أوج الشباب مع بدايات التمرين الصحفي في أوائل الستينيات عندما اخترقت شوارع الفجالة أفتش عن عنوانه‏..‏ ولم تعد رئتاي تنعمان بشبابهما من ضغط اللهاث وخفق النهجان بعدما صعدت لصاحب الآهات خمسة أدوار الدور فيهم بأربعة من بتوع دلوقت‏..‏ بلغت الشقة المبتغاة في النفس الأخير وواسيت روحي بمقارنتي بصاحب الشقة ذاتها وأني إذا ما كنت من طلعة واحدة قاطعة النفس فما بال زكريا الطالع النازل بالسكر والذبحة والقهر‏..‏ كان أول شيء تعيه الذاكرة في بيت الموسيقار وقعت عليه عيناي للوهلة الأولي هو مائدة الدواء المكتظة بجواره‏,‏ ورغم معاناته البادية وما يحمله من ألم داخلي ينعكس صداه اختلاجات وومضات علي وجهه‏,‏ حاول يومها أن يبدو مرحا مداعبا لا يفوته التعليق اللماح الذكي‏..‏ سألناه بعدما قرأنا قبل ملاقاته تاريخه وجميع ما كتب عنه كما كان يشير علينا أستاذنا مصطفي أمين بالتزود مسبقا بالمعلومات حول الشخصية التي سنحاورها كألف باء الصحافة
فجاءت الإجابات منصفة رغم أسئلتها المجحفة‏..‏

*‏ يقولون إنك قديم متمسك بالقديم؟‏!‏
‏-‏ لا جديد ولا قديم في الموسيقي وإنما موسيقي جيدة وأخري رديئة‏.‏

*‏ اهتمامك الأكثر بالتطريب أم التعبير عن معاني الكلمات؟
‏-‏ التعبير أولا والتطريب ثانيا‏,‏ ولا معني للغناء إذا لم تكن النغمة في خدمة المعني‏.‏

*‏ ودليلك؟
‏-‏ في بيت واحد من أغنية أهو ده اللي جري كلمة أفراح وجراح وبينهما فارق شاسع في تلحين الكلمتين وأثرهما علي نفس المستمع‏.‏

*‏ زكريا أحمد بالأرقام؟
‏-‏ من مواليد‏6‏ من يناير‏1896‏ قمت بتلحين‏1075‏ أغنية وما يقرب من‏56‏ أوبرا وأوبريت و‏225‏دورا أشهرها ماتخافشي علي وارخي الستارة وحزر فزر وكده برضه يخلص وبلاش مناهدة وطاوعيني وغيرها وغيرها‏,‏ وقمت بتلحين أغاني‏37‏ فيلما أولها أنشودة الفؤاد عام‏1932‏ وآخرها فاطمة عام‏1947‏ وفيما بينهما أنا ستوتة والآنسة بوسة‏.‏

*‏ لحنت لأسمهان؟
‏-‏ عاهدني يا قلبي كلمات محمود إسماعيل‏1931‏ وأغنية عذابي في هواك‏.‏

*‏ وشكوكو؟
‏-‏ بفلوسي آه كلمات بيرم‏1948,‏ وصيد العصاري وبنت البلد يا ولد يا ولد لبيرم عام‏1949..‏ لحنت لأكثر من‏90%‏ من المطربين والمطربات علي اختلاف درجات نجاحهم وشهرتهم‏.‏

*‏ رشحتك عيناك الواسعتان للتمثيل في فيلم سينمائي؟
‏-‏ قمت في فيلم أنشودة الفؤاد بطولة نادرة وجورج أبيض عام‏1932‏ بأداء دور اللص الشرير وتم التصوير في باريس وكان جورج يتناول طعام ثمانية أشخاص في وجبة واحدة‏,‏ وطلب مني المنتج تلحين جميع أغاني الفيلم التي كتبها الأديب المفكر عباس محمود العقاد علي أن يعطيني مقابلا قدره‏400‏ قرش صاغ ليؤازرني الشاعر خليل مطران الذي استطاع رفع المبلغ إلي مائة جنيه‏.‏

*‏ عبدالوهاب؟
‏-‏ غني من تلحيني في العاشرة بين الفصول في فرقة عبدالرحمن رشدي أنا عندي مانجة وصوتي كمنجة أبيع وأغني وآكل منجة‏.‏

*‏ وأم كلثوم؟‏!‏
‏-‏ خربت بيتي ولكن الحق حق تساوي رقبة اللي بيغنوا كلهم‏.‏

*‏ سيد درويش؟
‏-‏ قلما يجود الزمان بمثله كل‏200‏ سنة‏.‏

*‏ بيرم التونسي؟
‏-‏ راجل اسمه في السما‏.‏



*‏ وأين الجبة والقفطان؟‏!‏
‏-‏ قلت مالوش لزوم أشوح بهما زي ودان الفيل وأحيانا كان الكم بييجي في عين اللي جنبي وأحيانا يوقع فنجان القهوة كما حدث مع زوزو ماضي ومن يومها لبست البنطلون‏.‏

*‏ وحكم قراقوش؟‏!‏
‏-‏ فيلم بطولة أنور وجدي وإخراج حسن الصيفي منع عرضه لاحتوائه هجوما لاذعا علي القصر والملك وكان من كلمات أغانيه التي لحنتها خيرات بلادنا كلها لأهلها مش نصها أو ربعها أو خمسها أو سدسها أو سبعها أو تمنها أو تسعها أو عشرها لا‏..‏ لا كلها كلها‏.‏

*‏ تلحين القرآن؟
‏-‏ الأصل أني قارئ للقرآن‏,‏ ومؤد للتواشيح والابتهالات‏,‏ لهذا قمت عام‏1950‏ بأكبر مغامرة في تاريخ الموسيقي وذلك بتلحين بعض سور القرآن‏,‏ وأرسلت الفكرة إلي لجنة الفتوي بالأزهر‏,‏ وكانت الفكرة تقوم علي نص الآية ورتل القرآن ترتيلا والتي تنص علي طريقة معينة لهذا الترتيل مما يترك باب الاجتهاد مفتوحا‏,‏ وكنت أري أن ترتيل القرآن قد تضمن الكثير من الأنغام الشرقية‏,‏ لكنه لم يتضمنها جميعا‏,‏ وكنت أريد المحافظة علي التراث الموسيقي المتمثل في هذه الأنغام العريقة‏.‏

*‏ كان والدك قاسيا في تربيتك؟
‏-‏ لكنه عندما أرسلني مع شقيقتي لكتاب الشيخ نكلة القريب من بيتنا في السيدة زينب اشترط علي نكلة السماح لي بالتردد علي البيت أكثر من مرة أثناء النهار فلما اعترض علي هذا المطلب الغريب قال له والدي إن السبب هو ذهابي للرضاعة فأبدي اعتراضا أشد بحجة أن الرضاعة واجبة علي ألا تزيد علي العام وبعض العام حمله وفصاله في عامين وإلا تسببت للطفل في غباء شديد‏,‏ لكن الوالد أصر علي مطلبه قائلا لنكلة إنه لا يريد حرمان ابنه العزيز الذي عاش بعد‏21‏ طفلا ماتوا بعد الأسبوع الأول من ولادتهم‏,‏ من أي شيء أو يرفض له مطلبا مهما يكن حتي ولو كان استمراره في الرضاعة إلي سن الرابعة‏,‏ وربما من هنا زاد الشيخ نكلة المستنفر من كافة الأوضاع في تحفيز مساعده العريف في عقابي علي أية هفوة بالتعليق في الفلقة وضربي بالمقرعة المجدولة من سعف النخيل ضربا مبرحا‏,‏ ولما لم أستطع الصبر علي هول الآلام قمت بعقر ساق العريف بقوة مدمرة فطردت من الكتاب‏.‏

*‏ لتلحق طالبا بالأزهر؟
‏-‏ بعد أداء الامتحان وعقد خيط مختوم بالرصاص يشد حول الذراع ولا ينزعه إلا الطبيب الذي يتولي فحص الجسم وحقنه ضد الجدري‏.‏

*‏ ولم تكن أزهريا مثاليا؟
‏-‏ حفظت القراءات السبع لكني ضقت بالرموز التي يستذكر بها الطلبة القراءات‏,‏ إذ كنت لا أجد معني لأن أظل أردد عن ظهر قلب وللدال كلم كرب سهر وكأشر‏..‏ صفا ثم زهد صدفة ظاهر حلا وكانت تلك الرموز هي الوسائل التعليمية العريقة التي لم يستطع صبي لم يتجاوز الثانية عشرة تغييرها فانصاع ليحفظ بطريقتها‏..‏

في الأزهر لم يتخل الشيخ زكريا أحمد عن شقاوته في مقابل أساتذته وعرفت عنه حكايته مع أحد المشايخ الذين يدرسونه وكان معتادا علي ضربه فوق العمامة علي أم رأسه كلما أخطأ أو مارس شقاوته‏,‏ ولجأ زكريا إلي شبك الدبابيس التي يثبت بها عمامته‏,‏ علي أن تكون رؤوسها المدببة الحادة إلي أعلي لا إلي أسفل كالمعتاد‏,‏ وعندما لجأ شيخه إلي ضربه كالمعتاد بكفه علي أم رأسه شكته رؤوس الدبابيس المدببة حتي أدمت يده إلي حد الصراخ ومطاردة الصبي في ثورة عارمة‏..‏ وكل ذلك كان محل غفران مادام زكريا مجدا في التحصيل‏..‏ ولكن عندما بدأ زكريا في تقليد والده بالذهاب إلي قهوة التجارة للجلوس إلي الموسيقيين والمطربين‏,‏ وامتدت السهرات كل ليلة ليشارك بعدها المنشدين في إحياء الموالد والأفراح لم يعجب الأمر زملاء الأزهر الذين كتبوا الشكاوي العديدة إلي شيخ الجامع الأزهر كي لا يسيء الأمر إلي سمعة المكان العريق وطلبته ومشايخه‏,‏ فثار الشيخ وأمر بتشكيل لجنة للطواف بالمقاهي الشهيرة لرصد الطلبة الأزهريين الذين يرتادونها خاصة بزيهم الأزهري‏..‏ وحدث‏..‏ أن أتي زكريا يختال بقفطانه إلي المقهي ليجلس إلي إحدي الموائد المتصدرة‏,‏ ولما شعر بالجوع أرسل صبي المقهي ليجلب له طعاما قام بفرده علي السطح الدائري ليحبس مع كل قضمة بالشاي المعتبر‏,‏ واصطادته اللجنة الموقرة أثناء عملية المضغ فبسمل الأعضاء وحوقلوا مستعيذين بالله من الشيطان الرجيم‏,‏ فالشيخ زكريا كان يأكل ولعياذ بالله لحم البسطرمة وليس هذا فقط بل يغمسه بالخبز الأفرنكي أثناء ارتدائه الجبة والقفطان‏,‏ فأسرعوا لتقديم تقريرهم الوافي بالواقعة للإمام الأكبر الذي قام بتحويل التلميذ المارق إلي مجلس تأديب مع عريضة الاتهام بجلوسه بزيه الوقور علي مقهي يرتاده المطربون والعوالم مقهي التجارة ويأكل الطعام المحرم البسطرمة وصدر قرار الحرمان في اليوم التالي ليعلق علي جدران أروقة الأزهر ويقضي بمنع دخول الشيخ زكريا أحمد صقر من باب الأزهر وحرمانه من الجراية جزاء للجريمة التي ارتكبها في حق الأزهر والزملاء والأساتذة المشايخ الأجلاء‏.‏

بعد الطرد من الأزهر بدأ الطريد بالتفكير في مستقبله‏..‏ إنه مؤهل تماما لاحتراف قراءة القرآن لحسن صوته وإجادته للقراءات السبع‏,‏ لكنه أبدا لم يستطع أن يبعد عن ذهنه فكرة أن يغدو منشدا ومطربا يغني القصائد الدينية والتواشيح في الأفراح والموالد ومناسبات احتفالات الأسر‏,‏ وكانت البيئة التي تربي فيها تحتفي بالغناء والطرب‏,‏ وألف منذ طفولته أن يسمع والده يغني الأغاني القبلية الحماسية التي تتردد في صحراء الفيوم أرض منبته‏,‏ وكانت لأمه التركية أيضا أغانيها التي تنتمي للتراث التركي في الغناء وكثيرا ما سمعها تردد آهاتها الحنون التي تجلب الدموع‏..‏ ويدخله الأب مدرسة من بعد مدرسة‏..‏ مدرسة ماهر باشا في القلعة ثم خليل أغا التي خلع فيها العمامة وارتدي الطربوش‏,‏ وكان ولابد أن ينتهي الصراع بين الأب وابنه بهيام الابن علي وجهه للعمل مساعدا في فرقة الشيخ سكر للأناشيد الدينية وبعدها في بطانة الشيخ علي محمود الذي أرسله لسماع الشيخ سيد درويش في الإسكندرية‏..‏ وذهب زكريا إلي كوم بكير ليخترق الأزقة المظلمة والحارات الموصلة لمقهي الشيخ سيد ليفاجأ بشاب طويل عريض يرتدي ملابس المشايخ بين أفراد التخت يغني في عصبية بينما المستمعون منصرفون عن غنائه إلي الطاولة والكوتشينة وتدخين الحشيش‏,‏ وكان يغني لحنا بسيطا سلسا أنا مالي هيه اللي قالت لي روح اسكر وتعالي ع المهلي وعندما انتهي قال للشيخ زكريا‏:‏ قوم بنا‏..‏ وقام الشيخ زكريا مع الشيخ سيد‏,‏ ودخلا بيتا‏,‏ وصعدا إلي الدور الرابع‏,‏ وعلي ضوء الكلوب الباهت راح الشيخ سيد يغني أحدث ألحانه‏,‏ وتاه الشيخ زكريا في شبه غيبوبة‏,‏ وخبط رأسه في الحائط إعجابا أكثر من مرة‏,‏ ثم أفاق علي ضوء باهر‏,‏ فظن أن الشيخ سيد قد استعان بكلوب آخر‏,‏ ولكنه فوجئ بالشمس تطل من الأفق‏,‏ وأنه قضي مع الشيخ سيد عشر ساعات كاملة كأنها عشر دقائق‏..‏ ولم يبت الشيخ سيد في الإسكندرية بعدها فقد هجر كوم بكير وجاء مع زكريا أحمد للقاهرة‏,‏ وعمل مع الريحاني وقبض ألف جنيه ذهبا في شهر واحد‏,‏ وأنفق كل ما ربحه حتي آخر قرش وكان أجمل لحظاته التي يستمع فيها للشيخ علي محمود‏,‏ وإذا ألف لحنا لا يستريح ولا ينام حتي يعرضه عليه‏..‏ ومثلما اكتشف زكريا أحمد سيد درويش وسحبه من يده إلي القاهرة قام بنفس المهمة مع أم كلثوم بعدما استمع إليها في السنبلاوين فأغراها بالسفر إلي القاهرة‏,‏ ثم تعهدها وحولها من منشدة إلي مطربة‏,‏ ثم ساهم في تكبيرها بألحانه الشامخة‏.

وتشكو أم كلثوم لزكريا من بيرم الذي هاجم المطربين قائلا‏:‏ يا أهل المغني دماغنا وجعنا شوية سكوت لله واحنا شبعنا كلام ما له معني يا ليل ويا عين ويا آه‏,‏ فقال لها إن أمير الشعراء أحمد بك شوقي نفسه كان يحسب لبيرم التونسي ألف حساب ويقول‏:‏ صادقوه ولا تعادوه‏..‏ واقتنعت أم كلثوم وذهبت مع زكريا إلي بيرم في حي زين العابدين المطل علي السلخانة ومد بينهما زكريا جسر المودة حتي تشجعت ثومة قائلة لبيرم‏:‏ عايزة أغنية لي أنا وانت‏..‏ فلما وافق سألته عن مطلعها قبل أن تمضي فأجابها‏:‏ إنت قلت المطلع بنفسك أنا وانت وانساب صوت كوكب الشرق بكلمات بيرم علي لحن زكريا‏:‏ أنا وإنت نسينا بس نتخاصم ونتصالح نسينا إزاي كده نسينا وإيه ده اللي جري لينا وتوالت بعدها روائعه لحنجرتها‏:‏ كل الأحبة اتنين اتنين وانت يا قلبي حبيبك فين‏,‏ وآه من لقاك في أول يوم‏,‏ وحبيبي يسعد أوقاته‏,‏ واكتب لي من غير تأخير‏,‏ وإيه أسمي الحب ما أعرفشي‏,‏ والبدر أهو نور وابتسم‏,‏ وأنا ليه أتجاسر وأعاتبك بس‏,‏ وأنا في انتظارك‏,‏ والأولة في الغرام‏,‏ وفي أوان الورد ابتدي حبي‏,‏ ويا قلبي ياما تميل بنظرة‏,‏ وحبيب القلب وافاني‏,‏ والقلب يعشق كل جميل‏,‏ والأمل‏,‏ وأهل الهوي يا ليل فاتوا مضاجعهم واتجمعوا يا ليل سهرة وأنا معهم‏...‏ وإذا ما كانت ثومة قد شيدت مع أحمد رامي ورياض السنباطي هرما عظيما فقد تكون علي الجانب الآخر هرم آخر ثلاثي الأضلاع من بيرم وزكريا وثومة أيضا‏,‏ وأطلق التنافس بين الهرمين علي الجبهتين خلاصة الإبداع وذروة الاستمتاع‏.‏

ولعل الشيخ زكريا أحمد هو الوحيد الذي دون يومياته وأصر أن يكتبها مهما يشتد به المرض وكان قد بدأها من عام‏1916‏ إلي يوم وفاته في‏14‏ يناير‏1961‏ وطريقته فيها ـ كما حققها صديقه الكاتب الصحفي الكبير صبري أبوالمجد ــ أنه كان يسجل كل التفاصيل بدقة متناهية فيهتم علي سبيل المثال بمراحل عملية بياض شقته وأجور المبيضين‏,‏ وتسجيل ما اشتراه من مواد غذائية حتي البهارات التي جاء بها من تحت الربع‏,‏ ولا يغفل في أيامه ذكر فتة الكوارع ولحمة الرأس التي أكلها عند فلفل أمام مسجد الحسين‏,‏ ولا يترك زكريا شاردة ولا واردة مما يتعلق به إلا سجلها فمن حلاقة شعر رأسه بالموس‏,‏ وتناوله شربة الملح الإنجليزي وتأخير الأوتوبيس‏,‏ والبروفات من أول أم كلثوم إلي الشيخة عزيزة المصرية إلي المنولوجست فاطمة البسيطة‏..‏ وتعد اليوميات قاموسا حيا لأحداث البلاد كذكري سيد درويش‏,‏ وطلعت حرب‏,‏ وعبده الحامولي و‏..‏ من أيامها كمثال في عام وفاته في يوم‏10‏ يناير‏1961:‏ تناولت العشاء كفتة وروحت‏3‏ صباحا‏,16‏ قرش ركوب‏,‏ وفي يوم‏11‏ يناير‏1961‏ كتب‏:‏ استلمت من الإذاعة مبلغ‏713‏ قرشا بعد خصم‏37‏ قرشا للضرائب‏,‏ وذلك قيمة اشتراكي في ندوة الفكر‏,‏ استلم المبلغ إحسان ولدي بتوكيل مني‏,‏ وفي يوم‏13‏ يناير‏1961‏ ــ أي قبل وفاته بيوم واحد ــ كتب في يومياته لآخر مرة‏:‏ ذهبت إلي ملجأ العميان في الزيتون لأسمع صوتا جديدا قيل إنه معجزة‏!‏ كانت الليلة ليلة الأربعين للمرحوم بيرم التونسي رحمه الله وغفر له ولنا جميعا‏..‏ ويمضي زكريا ليكتب عنه صاحب قلم نوبل نجيب محفوظ‏:‏ إنه يمثل تراثا موسيقيا فريدا‏,‏ إن هذا العملاق الذي رحل بدأ مبكرا جدا فقد اكتشفت أن أغنية ارخي الستارة من تلحينه‏,‏ كما أنه لحن لمنيرة المهدية‏,‏ كما لحن أغنيات دينية للشيخ علي محمود‏,‏ وبعدها لصالح عبدالحي إلي أن وصل إلي ثومة‏..‏إن زكريا أحمد ملحن مصري صميم وكان أقل الملحنين تأثرا بالموسيقي الغربية وأكثرهم أصالة وأني أشبهه بـ‏(‏التقلية‏)‏ التي لا توجد إلا في المطبخ الشرقي بخصوصيتها ومذاقها الخاص‏.‏

في لقائنا معه لا أنسي ما قاله يومها‏:‏ أمن العدل أن تذاع أغاني التي حرقت فيها أعصابي وتستفيد منها الإذاعة والمغنون وأنا صاحبها لا أستفيد‏..‏ أحرام علي بلابله الدوح حلال للطير من كل جنس وكان الشيخ زكريا وقتها قد أقام دعوي أمام القضاء ضد الإذاعة المصرية والمطربة أم كلثوم مطالبا بمبلغ سبعة وثلاثين ألف جنيه حقوقه من الألحان التي تذاع باسمه منذ عام‏1936‏ واستمر الخلاف في المحاكم ما يقرب من‏15‏ عاما‏,‏ ولم ينته إلا بتدخل الرئيس جمال عبدالناصر الذي أرسل أنور السادات ومحمد حسن الشجاعي للقيام بدور الوساطة في جلسة سرية‏,‏ وكانت أم كلثوم كما قيل متأكدة من أنه لا يوجد قاض في بر مصر يستطيع استصدار حكم ضدها‏..‏ عرفت أم كلثوم وهي صغيرة وكانت روحها أجمل ما فيها‏..‏ يا سلام‏..‏ كنت أقعد وأنا وهي ع الطبلية نغمس ونضحك والكلام ده سنة‏1919‏ ولسه فاكر زي النهاردة لما كنا راجعين من الحفلة وكانت هي طايرة من الفرح ويومها أكلنا وزة وحلة ملوخية‏..‏ في شبابي ضحكت علي أم كلثوم بإوزة تمنها أربعة قروش ولما كبرت ضحكت علي في أربعين ألف جنيه‏..‏ لقد بدأت المودة بين الشيخ والمطربة بإوزة وانتهت بقضية‏,‏ وبين الإوزة والقضية‏,‏ أي بين عام‏1919‏ وعام‏1958‏ غنت ثومة للشيخ مائة أغنية كان أولها اللي حبك يا هناه وبعدها تدفقت الألحان مثل العزول فايق ورايق‏,‏ وهو ده يخلص من الله‏,‏ وامتي الهوي ييجي سوا‏,‏ وابتسام الزهر‏,‏ وآه يا سلام زاد وجدي آه‏...‏ وبعدها بعشرات السنوات لحن لها أغنية أنساك التي نسبت إلي بليغ حمدي رغم اعتراف أم كلثوم بأنها من ألحان زكريا أحمد ودفعها المقابل المادي لها ويومها كتب صلاح جاهين تحت رسمه الكاريكاتوري في الأهرام تعليقا علي قصة اللحن أنساك يا سلام يا بليغ دا كلام أهو ده اللي مش لحنك أبدا‏.‏

ولقد كانت كلمة هي السبب في الخلاف وأبدا لم تكن مسألة حقوق ومستحقات‏..‏ فقد كان أهم ما يحرص عليه زكريا أحمد هو كرامته‏,‏ ورغم مشواره المثمر مع ثومة الذي بدأ بسرادقات الموالد وفترات الاستراحة في مسرح الكسار لينتهي بها إلي دار الأوبرا إلا أنه اختلف معها بسبب كلمة‏..‏ لا والله بل حرف‏..‏ حرف كان السبب في الخلاف والجفوة والقطيعة التي انتهت أمام القضاء ليدفع الشيخ كل ما يملك بل يستدين لينفق علي قضيته التي بدأت بحرف‏..‏ أم كلثوم نادت الموسيقار الكبير الذي ظل يلحن لها عشرات السنين بلا انقطاع ليصنع بعصارة جهده وعرقه قمم مجدها‏..‏ نادته قائلة يا‏.....‏ دون ذكر اسمه فاعتبر زكريا أن هذا اللفظ وهذه الطريقة إهانة بالغة له أمام الحاضرين وانصرف غاضبا‏..‏ ولما كان زكريا لم يزل غاضبا في زيارتنا له فقد انضممنا إلي جموع المعتذرين من أن أم كلثوم أكبر من أن ينسب لها الجحود‏,‏ وأن سمع الإنسان قد يخطئ حتي ولو كان صاحب الأذن المرهفة زكريا أحمد‏.‏

واسينا العملاق ونفينا تهمة نكران الجميل عن سيدة الغناء‏..‏ لكني والله بعدما هبطت الأدوار الخمسة ــ اللي فيهم الدور بأربعة من بتوع دلوقت ــ غلت الدماء في العروق واستنفر تخيل الموقف غيظي‏,‏ ففكرت في الصعود ثانية بوثبات تأخذ العشر درجات قفزة واحدة لأقف أمام شيخ مازال غاضبا لكرامته أذكي غضبته وأشعل ناره وأوقد غليانه وأؤجج ثأره وأحفز انتقامه وأهيب بانقضاضه‏..‏ معقولة تسكت لها وانت اللي لحنت أمجادها‏!!..‏ تتجاهلك‏!!..‏ ترفع مناخيرها عليك لفوق‏!!..‏ تعمل روحها ناسية اسمك‏!!..‏ ييجي اليوم الأغبر اللي تناديك فيه بـيا‏..‏ يا خرابي‏!!..‏ ده لو أي حد مكانك أو في منزلتك يا أستاذ كان وكان وكان ويحصل اللي يحصل‏..‏ يا‏..‏ زكريا‏..‏ الله يكون في عونك‏..‏ وعموما‏..‏ والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس صدق الله العظيم‏..‏

وتحدد الدائرة المدنية المنعقدة برئاسة الأستاذ عبدالغفار حسني وسكرتارية السيد محمد الرشيدي مناقشة السيدة أم كلثوم والملحن زكريا أحمد بشأن القضية التي رفعها ضدها وضد الإذاعة‏,‏ وفي الموعد المحدد حضرت أم كلثوم بتايير رمادي بصفين زراير وإيشارب أخضر وجوانتي أخضر وحذاء أسود وذلك في سيارة محاميها الأستاذ مختار قطب ودخلت من باب خاص بالمستشارين والقضاة‏..‏ واقتحم الجمهور قاعة الجلسة فاضطر القاضي إلي الاستنجاد بقوة بوليس المحكمة برئاسة الضابط إبراهيم شنن‏,‏ وأخليت القاعة من الجماهير المتدفقة‏,‏ واستمرت المناقشة خمس ساعات بذل القاضي فيها جهدا كبيرا انتهي بعقد اتفاق خاص بين الأطراف المتنازعة تفاهما فيه علي التعاون المشترك لخدمة الفن‏,‏ حيث يقوم الأستاذ زكريا بتلحين ثلاث أغنيات لأم كلثوم بمبلغ رصد في الاتفاق علي أنه سبعمائة جنيه عن كل لحن بحيث يتم التلحين خلال عام‏1960..‏ وكانت أول أغنية هو صحيح الهوي غلاب والثانية أحب تاني ليه والثالثة لم تقدم ثومة كلماتها لزكريا الذي قال قبل وفاته إنه لا يحب أن يدخل في دعوي جديدة مع أم كلثوم‏,‏ والصلح لسه مابردش‏..‏ وعلي هذا تنازل زكريا عن دعواه قبل أم كلثوم وأثبتت المحكمة هذا التنازل وقال زكريا إنه ينظر إليها كسيدة مطربات الشرق‏,‏ وقالت أم كلثوم إنها تقدر زكريا وترتاح إليه بالفعل‏!‏

ويرحل بيرم التونسي ليتساند توءمه الروحي زكريا أحمد متوجها إلي مبني التليفزيون للاشتراك في وداع الصديق بمناسبة ذكري الأربعين في أولي حلقات برنامج يحمل عنوان مواطن الذكريات كانت تقدمه المذيعة سماء العاصي‏,‏ وكان من الضيوف محمد بن بيرم التونسي وبديع خيري ورشدي صالح وصلاح جاهين و‏..‏ زكريا أحمد‏..‏ ويشرع أحد العمال في قياس المسافة بين المتحدثين والكاميرا فيسأله أحدهم‏:‏ لماذا؟‏!‏ فتسرع النكتة من فم صاحب البديهة الحاضرة زكريا أحمد‏:‏ أصلهم حيفصلوا لنا بدلة هواء‏,‏ ويرد عليه جاهين بسرعة القذيفة‏:‏ علشان الكلام يطلع بالتفصيل‏..‏ وتسجل الكاميرات زكريا يغني من ذخائر التراث بأدائه الشجي وصوته الأجش الورد جميل إذا أهداه حبيب لحبيب يكون معناه وصاله قريب وعزيزة شابة‏.‏ شابة وشباب‏.‏ نواضرها تخطف الألباب‏,‏ وضفايرها عند الأكعاب‏..‏ وكان أبا سعدة حبيب عزيزة علي لسان الشيخ شابا مهابا فولاذي العضلات علي صدره يركب سبعين‏,‏ وعلي أكتافه يلعب نمرين‏,‏ وعلي شنابه يقفوا صقرين يا صلاة الزين علي أبا سعدة يا صلاة الزين‏..‏ ولم تمض ليلة واحدة علي التسجيل النادر إلا ويبلغ الوهن بزكريا مبلغه ليعود من الخارج ليجلس مع الأبناء قائلا‏:‏ تصوروا يا أولاد أنا رحت النهاردة للمصوراتي وطلبت منه يعمل لي عشرين صورة مرة واحدة‏,‏ ولكن المصوراتي قال لي‏:‏ عشرين ليه يا عم الشيخ؟‏!..‏ قلت له‏:‏ احتياطي يا ابني‏!..‏ ويسلم الشيخ الجليل الروح بعد أن عاش كريما ومات كريما وأذاقته كرامته المر والعلقم‏..‏ يتلو الشهادة وعلي عوده آخر ألحانه الحجاج‏:‏ والنبي يا رايحين أرض الكرامة سلموا ع المصطفي سيد تهامة روحوا بسم الله وعودوا بالسلامة‏..‏ زكريا مات وترك جبلا من فن وكنزا من كرامة ولم يترك درهما واحدا‏..‏ سيد النغم رحل بعدما بث آلامه وأشجانه في كلمات بيرم التونسي علي حنجرة أم كلثوم‏:‏ يا قلبي آه‏..‏ الحب وراه أشجان وآلام‏..‏ وأصبر وأدوب وعلي المكتوب مايفيدشي ندم‏.





__________________

signature

منى سامى غير متواجد حالياً