عرض مشاركة واحدة
12-24-2010, 04:37 PM   #13
ملاك البستان
عضو في انتظار التفعيل البريدي
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
الدولة: الايميل المسجل غير مستخدم
المشاركات: 5,657

على الرغم من أن "مولاي أحمد السرغيني"
متفـائل بمستقبل صنـاعة
الفخـار في المملكة المغربيـة، إلا أن
استشرافه السالف الـذكر لم يمنعني
من أن أدحرج على مسامعه القول:
بأني أخشى أن يكـون هـو ذاته آخـر
الفخـاريين التقليديين في جيله!
ذلك أن الصناعات التقليدية في
المشرق العربي أصبحت "مفـبركة"
تصنعها الآلة الحديثـة المتطورة الخاليـة
من الإبداع الإنساني المدهش.
ومن هنـا بت أخشى أن تنتقل
العدوى من المشرق إلى المغرب
لا سمح الله!.




نقش على طبق.. ودقة وجمال


مولاي احمد السرغيني مع ضيوف
المتحف الخاص لمنتجاته ومقتنياته

لكن الفنـان "السرغيني" لا يشاركني
هذه الخشيـة لأن واقع الصناعات
التقليدية في المغـرب لا يضـاهي
واقعهـا في المشرق العربي لحسن
الحظ. فهناك عناية فائقة بإعداد الأطر وتدريبها
وثمـة مـدرسـة للتـدريب
على الصناعات التقليـدية في كل أقاليم المملكـة.
أضف إلى ذلك كون المنتوجـات التقليـدية
مـازالت حاضرة في الحياة اليومية المغـربية،
فتراهـا تستخـدم في الأكل والشرب، وتتصدر المائدة المغربية اليـومية
، وتزين المنازل والـدور بالزهور والنـوافير
والنباتات الخضراء،
وتخزن الحبـوب
والمواد الغذائية والمياه.
عاشق الفخار!

مع "تهليلـة" المؤذن التي تسبق آذان
الفجـر، يفيق "مولاي أحمد السرغيني"
من نومه، فيتوضا ويصلى الفجر ويتلو
ماتيسر من القران الكريم و بعدها تعانق
عيناه - بداية - مزهرية مترعة بالجمال،
تتربع على طاولة بجوار سريره!
يكحل عينيه بالفخاريات "السرغينيـة"
التي تملأ كل دارته، يداعبهـا -
وهو مار بها - بأنـامله، وكأنه يسمعها
منولوج الحب الذي يبـدأ به نهاره!
وسط فخـارياته الغالية الأثيرة إلى
نفسه، يتربع الفنان على الكـرسي،
ويشرع في تـلاوة القرآن الكـريم إلى

حين موعد الصلاة.

إن زائر دارتـه الجميلة الواقعـة في
إحدى ضواحي مدينة آسفي، يخيل
إليـه أنه في داخل متحف إسلامي
لمنتـوجـات الخزف والفخـار. إذ حـرص
الحاج "السرغيني" على أن يحتفظ
بتراث الآبـاء والأجـداد داخل داره
ليتنسـم أريجه العطـر في كل حـين.
في تمام الساعة السابعة صباحـا
يمتطي سيارته ميمما صوب محترفه
في "تل الفخارين" حيث يمارس غيته
وهوايتـه وحواره الخلاق مع الطين!.

والحق أن علاقته بعجينة الفخار -
كـما نـوهت آنفا - مشبوبة بالعشق
المحـرض على الإبداع المتقن.
ولو أتيح لك تأمل الفنان في ساعات
التشكيل والإبداع لحسبته يغازل
حليلته، ويدغدغها بأنامله، ويحتويها
بجوارحه! ومن هنـا أحسبني
لا أجـافي الحقيقـة إذا زعمت بأن
زوجته "تغار" من هذه العلاقة
المشبوبة! وربما تعد طين الفخار
ضرتها وشريكتها التي تشاركها في
بعلها! ولا عجب من هـذه الغيرة...
إن وجـدت. ذلك أن الضرة الفخارية
تستحوذ على جل وقته واهتمامه
تماما كـما لو أن الفخار إنسانة
من لحم ودم ومشاعر، كـأنها
مخلوق بشري ينبض بالحياة والحركة
والأحـاسيس! ولذا لا عجب إذا وجـدت
صاحبنـا، حـين يكـون في حضرة الفخار
أثناء عملية الإبداع، كأنه في حالة وجد
صوفي مضمخة بكل طقوسه! ويبدو لي
أن التواصل بين الفنان وموضوعاته
التشكيلية الإبـداعية يصل إلى حد
التوحد معها. ولا أحسب هذا التوحد
يضير أهله أو يستثير أي مشاعر
سلبيـة تجاهـه. صحيح أنـه يعبر عن
اشتئثار بـالبعل الفنان. إلا أن الزوجـة
تجد عزاء لكون بعلهـا يقوم بسفارة
حضارية للملكة المغربية من خلال
إبداعه بفن صناعة الفخار. وقـد اعتاد
الفنان "السرغيني" على أن يتربع
على كرسي خيزران صغير الحجم
ليكـون قبالة إبداعه الفخاري الجديد.
بلمسات رشيقة يرسم الشكل الذي
يزوق به الفخار، مستعينا بمسطرة
هندسية وقلم رصاص وبعينين تومضان
حبا للفخار! وفي دقائق قليلة تدب
الحياة التشكيليـة في عجينـة طين
الفخار. وعادة فإن صاحبنا يمارس فعله
الإبداعي باستغراق تام يشبه الصلاة.
فتراه يلوذ بالصمت، فـلا ينبس ببنت
شفه. هكذا يبدو لرائيه من الخارج.
والحق أن صمته يشي بأنه في حالة
"حوار" مع موضوعه الإبداعي، وان بدا
لنا من الخارج والسطح عكس ذلك!
ذلك أن تـواصل الفنان المبدع مع
موضوعاته الفخارية موصول على
الدوام في كل مكان وحين، يحدث
داخل بيتـه ومحترفه ومعرضه
ومتحفه، وأثناء جولاته الثقـافيـة
لعواصم وحواضر العالم مشاركا
في المعارض والمهرجـانات الفنية والثقافية كسفير
حضاري للمملكة المغربيـة! ولعل علاقة العشق
التي تربط بين الفنان وإبداعه،
تفسر استمرار حضور المهنة داخل
أسرة السرغيني هذه المئـات من
السنين..
والى ما شاء الله سبحانه
وتعالى.
ملاك البستان غير متواجد حالياً