عرض مشاركة واحدة
12-24-2010, 04:32 PM   #12
ملاك البستان
عضو في انتظار التفعيل البريدي
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
الدولة: الايميل المسجل غير مستخدم
المشاركات: 5,657

الرجل والمدينة




زهور الطبيعة وقد تحولت إلى
أشكال فنية فوق أحد الأطباق

ومولاي أحمد السرغيني يمثل الجيل
السابع باقتدار وجدارة، يشهد لهما زوار
ومدينة آسفي الذين يؤمونها - بداية -
بدافع اقتنـاء منتوجـاته، وبغرض
الاستمتاع بمشاهـدة معروضاتـه
المدهشة، التي يزخـر بها متحفه
الخاص ومعارضـه التجـارية ومنزلـه.
فضلا عن مشاركته الفاعلة في الأنشطـة والتظاهرات الثقافيـة
المغربية الدولية.

ولعلي لا أغالي إذا ذكرت بأن مدينـة
آسفي ذات الماضي العريق
كان يمكـن أن يطويها النسيان ولا
يـذكـرهـا ويتذكـرها سوى البحاثة
في التـاريخ والجغرافيا والآثار القديمة... بعبارة أخرى أقول: إن مبدعي صناعة
الفخـار السفياني جعلوها حاضرة
في الحياة اليومية، بعدما كانت
مـدينة تعيش على الماضي المجيد
حين كانت مدينة مراكش عاصمة
للمغرب، وكانت مدينة آسفي الواقعة
غربي المملكة على المحيط
الأطلسي آنـذاك مينـاء رائجـا
بحكـم قـربها من العاصمة.




قبة صغيرة من الفخار وأسفلها
مقطع تفصيلي من نقش
فخاري نادر

والحق أن الحديث عن مـدينـة آسفي
يستـدعي بالضرورة الحديث عن رائد
صناعة الفخـار الفنان المعلم "أحمد السرغيني" لأن إبـداعه نفض عنها
غبار النسيان، وصارت محجة لمريدي
عجينة طين الفخار، التي تتحول بين
يدي الصانع الفنان إلى أشكال إبداعية
ذات وظيفـة وفـائدة. ذلك أن الأدوات
والأواني الفخارية مازالت حـاضرة في الحياة اليـومية المغربية. فتراها تتصدر
جهاز العروس... وتجدها - يوم الجمعة
تعمربـ "الكوسكوس" أو "الطاجن" وغيرهما.

صحيح أن العديد من مقتني الفخـاريات
في زماننا، يشترونها كأداة تجميل
و"ديكـور" يـزوق بها المكـان ويضفي
عليـه بهاء وسحـرا، إلا أن ذلك لا يعني
أنها صنعت لهذه الغاية الجمالية.
فالزير وقلة الماء و"البرمة" وغيرها من
الأدوات الفخـارية لاتزال موجـودة في
مجتمعات الفلاحـين في المشرق
العربي، لكنها توارت واندثرت عن
الحضور في المجتمعات المدنية
الحضرية، بسبب سيـادة القيم
الاستهـلاكيـة المتكالبة على أداة
وجهاز ينتسبان إلى العصر الحديث ومنجزاته.




منظومة من الألوان فوق هذه
الأنية الفخارية
إن صناعة الفخـار في المجتمعـات
الإسلاميـة لم يبدعها فنان هذه الحرفة
التقليدية لغاية جميلة حسب ظني.
صحيح أن المنتـوجات الفخـارية معجـونة
بطين الإبداع والفن الجميل إلا أنها
صنعـت لأداء وظيفة من مهام الحياة
اليومية: كأن تكون وسيلة لتخـزين وتبريد
الماء مثل (القلة والبرمة والزير) وكلها
مكرسة لماء الشرب داخل المسـاجد
والمنازل والشوارع والميادين العامة
والأسبلـة والأسواق الشعبية
والحـمامات العامة وكل مكان يمر
ويتجمع به الناس




بعناية ودقة يتم وضع النقوش
المختلفة على سطح الفخار

أي أن كل نتاج الفخـارين صنع - بداية -
لغرض ولـه وظيفـة. وبهذا المعنى فـإن
التشكيل والجـمال والتزويق الكامن فيه
يتناغم مع هـذه الوظيفـة وفي
خـدمتهـا، ولعل هـذا المنحى التقليدي
هـو سبب تواصل واستمرار وازدهـار
الصناعة التقليـديـة للفخارين. لكن
السـؤال الذي يطرح نفسه هنـا هو:
إلى متى يستمـر مبـدع الفخـاريـات
في استخـدام الأدوات والعدة والتقنية
القديمة التقليدية؟ سيما أن الصناعة
القديمة للفخـار تجابه تحديات
"الميكنـة" والتحـديث في الصنعة.
والتقنية، ولا تـوفر شيئا أو أحـدا.
والسؤال السـالف لم يطرح في الهواء
بل على مسامـع الفنان المبدع
"مولاي أحمد السرغيني" حـين كنا
بمعيته في محترفه العريق بتل
الفخارين قبل إجابته عن السـؤال
أطلق تنهيدة عميقة طافحة بـالشجن
النبيل، ومن ثم قـال: أحسبك عـانيت
وعـايشت بنفسك كـم هي شاقة
ومرهقـة عملية صناعة الفخار وفق
الأساليب القديمـة والأدوات التقليدية العتيقة. ويستطرد قـائلا: إن الفخـارين
في جل بـلاد العالم، هجروا العدة
التقليدية، وحلت الآلة الحديثة محلها!
والأسف الشديـد صـارت الصنعة
التقليـدية الأصيلة العريقـة آلية صرفـة!
مثلها مثل أي سلعـة استهلاكية
حديثـة خـارجـة من رحم المصنع الآلي الحديث! أقول هذه الحقيقة المرة العلقمية وأنـا أكاد أغص بها، إلا أن مشاعري وعواطفي وتوحـدي بـالحرفـة التقليدية وعدتها القـديمة، لم تمنعني من إدراك وحـدس واستشراف مستقبل الصناعـات التقليدية. إذ إنني أعتقد أن صناعة الفخار- وغيرها من الصناعات التقليدية - ستكون بمنأى عن هجمة الآلة مادامت الدولة ترعاها وتحتفل بها وتحميها من كل ما يشينها ويشوهها. ومن هنا تجد في المحترف هنـا أعدادا من العمال الفنيين من الجنسين الـذين يتـدربون على اكتساب تقنيات ومهارات الصنعة. تماما كـما تعلمتها حينما كنت في الثامنة من عمري كـما ذكرت آنفا. الأمر الذي يشي بأني رضعت حب هذه المهنـة منذ طفولتي الأولى... فحين كنت أعود من مدرستي الابتدائيـة أبادر فورا بتغيير زي المدرسة، ومن ثم أهـرع إلى هضبة الفخـارين حيث محترف الأسرة. وكان "السرغيني" شغـوفا بعجينة الفخار، ولم يكن يأبه باللعب مع أقرانه الصغار كـما هو متوقع لمن كان في مثل سنه، إلى درجـة أنـه لم يهتم بإنهاء دراسته الثانوية، مفضلا عليها "أكاديميـة تل الفخـارين" والتثقيف الذاتي، ومدرسة الحياة المتكئة على الاكتسـاب والتجربة والمعرفـة العميقة الواسعة بدون حد ولا حدود! ويستطرد مولاي أحمد السرغيني في حديثه فيقول: في البداية رفـض والدي رحمه الله وغفـر لـه طـلاقـي البـائن من الدراسة، ورغبتي في تعلم مهنـة الأجداد، لكنه اضطر إلى الإذعان حين لاحظ عنادي وإصراري على المهنة. ولعله - رحمه اللـه - كـان يـرغب في تأمين مستقبلي بـالعلم والمعـرفـة، لخشيتـه مـن بـوار الصنـاعـات التقليديـة وقلـة انتشارها. لكن النجاح الجماهيري والفني الكـامن في إبداع مولاي أحمد بز وفاق أي تصور. حسبه أنه الآن أصبح رائد صنـاع الفخـار، والمعلم الفنان الذي يمثل المملكة المغربية الشقيقة، في المهرجانات والمعارض والمناسبات الثقافية التي تقام خارج المغرب على المستويين الإقليمي والدولي على حد سواء. ونال إبداعه المدهش: في الفخـار الجوائز والإعجاب في كل مكـان يعرض فيه أعماله الفخـارية. وهذه الخطوة التي يحظى بها لم تكن وليدة حظ أو مصادفة... بل إنها كـانت
مسبوقـة ومتصلة بمعرفـة تقنيات
وأسرار هذه المهنة اليدوية التقليدية
الشاقة، التي يمارسها كـما ورثها عن
أجداده ومعلميه، وتعلمها منهم في
محترف السرغيني في تل الفخـارين
بمدينـة آسفي. فضلا عن إثرائه
لمعرفته وخبرته بالاطلاع على
تقنيات الأوربيين في صناعة الفخـار،
وتدربه عليها وإتقانه لها، واختياره
المناسب منها، دون تخليه أو تنازله
عن إرث الأجداد الأصيل
الغني المتنوع.


على شاطئ البحر تنام مدينة آسفي



دقة بالغة واهتمام ليظهر جمال
نقوش هذه الزهرية




مقطع من آنية فخارية تظهر فيها دق
الزخرفة وتوظيفها للحروف العربية




المراحل الأولى في اعداد
الفخار وتزيينه
ملاك البستان غير متواجد حالياً