عرض مشاركة واحدة
12-24-2010, 04:29 PM   #11
ملاك البستان
عضو في انتظار التفعيل البريدي
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
الدولة: الايميل المسجل غير مستخدم
المشاركات: 5,657

امتزج الطابع الديني بالحس الإنساني

حين تحط في أي ميناء أو"مطـار، في المملكـة المغـربيـة ستـلاحظ أن منتوجـات الصنـاعة اليـدوية التقليدية: هي أول مـا تقع عليه عينـاك، بك أول من يستقبلك ويصـافحك! وستجـد أن صناعة الخزف والفخـار من أبـرز هذه الفنـون الحرفيـة التقليدية، وأكثرها جمالا وأصـالة وعراقة.

ذلك أن هذه الصناعة التقليديـة الشهيرة: كانت حـاضرة في المغرب منذ عصر الفينيقيين، وهي حقيقة تؤكدهـا الآثار والمقتنيات الفخارية الكائنة في المتاحف المغربية والعالميـة. والحق أن مدينة آسفي الواقعة على المحيط الأطلسي في الجنـوب المغـربي،

تعلن عن حضـورها الإبداعـي بصيغ فنية وتقنيـة مترعة بـالجـمال والسحر اللافت لأنظـار الزوار من السيـاح وأهل البـلاد أنفسهم! كـما أن هذا الحضـور متواصل ومتـواتـر وموغل في العراقـة والقـدم. حيث يتوارثه أجيـال الحرفيين خلفا عن سلف منـذ مئات السنين إلى يـومنا هذا... وإلى ما شاء الله سبحانه وتعالى.

فخار آسفي فخر المغرب

و "مولاي أحمد السرغيني" السفير الحضـاري للمغرب: يعد من أبرز وأشهر المبدعين لفن وصناعة الخزف والفخـار في المملكـة. ذلك أن أسرته تعمل في هذه الحرفة من مئـات السنين. و"مولاي أحمد" نفسـه ينتمي إلى الجيل السابع في الأسرة الـذي مازال يبدع في مهنة الفخار والخزف.

وأسرة "السرغيني" فـاسيـة الأصل والمنبت، وثمـة العديد من أفـرادها مازالوا يقطنون مدينة "فاس"، ومازال البعض منهم يعمل في حـرفة صناعة الفخار، مثل أولاد عمومتهم الذين يقطنون مدينة "آسفي" التي تبعـد مـائة وخمسين كلم عن مـدينة مـراكش، التي هاجروا إليها منذ مائتي سنة.





أطباق تحمل زخرفات أندلسية أصلية

عناق الصلصال




مولاي أحمد السرغيني في محترف الفخار بمدينة آسفي
وفي المحترف الخاص بالفنان المبدع "مولاي أحمد السرغيني" لاحظت أنه يعانق الصلصال بعينيـه بل بكل جوارحه. ويداعبه بأنامله و"يدغدغه" ويهدهده بيديـه حتى يتخلق ويتشكل وتدب فيـه "حياة" الإبداع الفني المثير لـلإعجاب والدهشـة. وقد لفت انتباهي بحق تلك العلاقة الحميمـة التي تربط بين الفنان المبـدع والطين موضوع تشكيلـه وإنتاجه. ولعلي لا أغالي إذا وسمـت هذه العلاقـة بـالحب الشديد! والذي تصل درجته وحرارته إلى حد الوله والصبابـة والتشبب! الأمر الذي يحرضنا على القول بأن صاحبنا مفتون به بشدة إلا أن هذه الفتنة صحية إيجابية تحرضه على الإتقان والتجويد وتجاوز الذات المبدعة على الدوام.




مجموعة من أوعية الفخار وقد أخذت كل ألوان الطبيعة

ومن هنا فإنه حين كان يحدثني عن حرفته وإبداعه فيها
كنت أشعر بأنه يتدله بحب غزالة تبارك الخالق في
سحـرها وجمالها وبركتهـا وأريج عطرها وجسمها
اللدن النـاعم... ولولا معـرفتي بأن الأخ مولاي
أحمد السرغينى إنسان تقي ورع لظننت - آثما - بأنه
مفتون متيم كـما اشهر العشاق في التاريخ
(قيس وليلى، عنتر وعبله، كثير وعزة
فضلا عن الخواجة رميو وحبيبته جـولييـت)...
وغيرهم كثر، وكأن الفنان المبدع أشهرهم
ويفوقهم عشقا وصبابة. على الرغم
من ان حبيبتـه هي عجينة الفخـار! أي أنها
"مادة" بلا "روح" وتخلو من الصفات الإنسانية.
وهذا تقرير لا نجـادل فيـه لبديهيتـه... إلا أن هذه
العجينة تتحول وهي بين يدي الفنان إلى فن جميل
مدهش لـه معنى وغرض وفـائدة! ذلك أن
الفن التشكيلي في الثقافة الإسلامية ليس
معـزولا عن الحياة الاجتماعيـة، بدون أن تتخاصم
وتتصـادم هذه الصلة مع الفن ومقتضياته.

إعداد التربة اللازمة عملية مهمة
قبل بداية صنع الفخار

وفي الوقت الذي نجد فيه الفنان
"السرغيني" مغرم صبابة بحرفته
الجميلـة، منـذ أن كان في الثامنة من
عمره.. نجد أن عيالـه وأطفال وشباب
الأسرة معنيون بدراستهم وحياتهم اليومية بكـل ما فيها من هوايات
ومشاغل.

ولا يبدو عليهـم الاهتمام أو الرغبة في
تعليم صنعة الأجداد، ربما لاعتقاد
آبائهم بأنها مهنة صعبة وشاقة
لا يقدر على تحمل تعبها وتبعاتها
شباب هذه الأيام، اللهم إلا إذا وقع
أحـدهم في شباك فتنتها

مثلما حـدث مع أخينـا "مـولاي أحمد السرغيني"
حين كـان طفلا، زد على ذلك
الإحساس العـام بأن "الميكنـة" والآلات
الحديثـة آتيـة إلى "تل الفخـار" حيث
معقل الصنعة، وأنها في سبيلها إلى
الحلول مكـان الإنسبان كـما حدث في
جل مصانع الفخار والخزف في العالم!.
ملاك البستان غير متواجد حالياً