عرض مشاركة واحدة
09-01-2007, 09:40 PM   #5
شمسه
شريك ماسي
stars-2-1
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
الدولة: الامارات - العين
المشاركات: 604
ولكن مواهب عمال القرية لم تتوقف عند ذلك الحد.
فقد تبين لعلماء الآثار الذين يدرسون منطقة الهيلي أن أهل القرية المذكورة
قد تمكنوا أيضاً من صناعة "البرونز" الذي يناسب صناعة الأدوات والأسلحة
نظراً لكونه أشد صلابة وأقوى من النحاس.
وكانت صناعة البرونز تجري بتحريك النحاس المصهور بعصا خضراء لإزالة الغازات الذائبة
في المعدن المصهور مما يعمل على تقليل احتمال
تشكل الفقاقيع الهوائية في المنتجات النهائية.
كما كان يضاف إلى النحاس أثناء التحريك ما نسبته خمسة إلى عشرة بالمائة
من معدن "التنك" المستورد قبل أن يصار إلى صب النحاس
المصهور في القوالب الفخارية المخصصة لذلك الغرض.
ومع ازدياد الإنتاج من النحاس، كان الطلب على الفحم يزداد أيضاً.
وربما كانت صناعة النحاس في تلك الفترة منظمة بتوزيع العمال على فئات
بمهام محدودة حيث كانت إحدى الفئات تقوم بإنتاج الفحم
وفئة أخرى تتولى مهام التعدين في حين كان هناك عدد محدود من المختصين
الذين يتولون مهام صهر النحاس وسكبه. وكانت مهنتا الزراعة المحلية والرعي
تكملان صورة الحياة السائدة في تلك الأيام.
وقد ظلت صناعة النحاس رائجة ومزدهرة في العين لمدة 500 عام
ولكنها توقفت بعد ذلك بصورة مفاجئة. ولابد أن شيئاً مريعاً قد حصل
مما أدى إلى هجر القرية أبان العصر الحديدي وكساد تلك الصناعة.
ولكن الذي حصل بالضبط لا يزال لغزاً محيراً للعلماء والمؤرخين.
وربما كان السبب في ذلك راجعاً إلى خلل واضطراب في نظام الري بالأفلاج
الذي كان قائماً هناك أو إلى تغير في الأنماط التجارية
مع احتمال الإفراط في الإنتاج الزائد من النحاس مما أدى إلى
وضع ضغط هائل على الإمدادات المحلية من الأخشاب
وربما كان النقص في مواد الوقود عاملاً حاسماً في التدهور الاقتصادي
الذي شهدته المنطقة آنذاك. وثمة نظرية أخرى تعزو أسباب ذلك التدهور الاقتصادي
إلى احتمال تأثر صناعة النحاس بالحروب العديدة التي دارت رحاها
بين اليونان والفرس والآشوريين في تلك الحقبة.
ومهما يكن السبب الحقيقي لذلك، فإن من المؤكد أن قصة النحاس
قد أخذت تخبو وراء حجب التاريخ حتى بدت وكأنها توارت في غياهب الزمن.
ولكن إذا ظن بعض المؤرخين أن صناعة النحاس كانت قد انقرضت واندثرت
إلى الأبد فإنهم بلا شك مخطئون في ذلك الظن.

( العصر الإسلامي )

مع وصول الإسلام إلى المنطقة قبل 1360 عام، برزت هناك روح جديدة
من حب المغامرة والمبادرة في شتى المجالات. وقد أدى ذلك
إلى بعث صناعة النحاس من جديد بعد فترة طويلة من الركود الذي ران عليها
وأعيد تنظيم تلك الصناعة بتقنيات ومواهب ودوافع تجارية جديدة لتلبية
الاحتياجات المتزايدة للأسواق المتنامية بسرعة في المنطقة الشاسعة الممتدة
بين نهر الفرات في الشمال وحتى وادي نهر "الاندوز" في جنوب آسيا.
وقد اكتشف علماء الآثار صنوفاً عديدة من المواقد الإسلامية المشادة على
سفوح التلال هناك مما يدل على حصول ثورة صناعية كبرى عمت سائر أرجاء المنطقة.
وقد عثر علماء التنقيب على 70 فرناً في موقع واحد فقط
بالإضافة إلى كميات وفيرة من خبث المعادن مما يعد بمثابة المخلفات الصناعية
الناجمة عن عملية الصهر. وقد منح هذا الاكتشاف علماء الآثار الفرصة
لإعادة تشكيل الأحداث المتسلسلة في تلك الثورة الصناعية
التي عمت سائر أرجاء المنطقة وعملت على
تحويل بلدة العين وصياغة تشكيلها منذ زمن بعيد.


صوره 1


في هذا الموقع لوحده عثر علماء الآثار على أكثر من سبعين مصهراً اسلامياً

وقد تم في تلك الأفران استخدام أكيار يدوية كبيرة مزدوجة
مما عمل على زيادة تدفق الهواء ورفع معدلات الاحتراق ودرجات الحرارة
في المواقد بصورة كبيرة. وكان إنتاج النحاس يجري هناك على نطاق واسع
كما أن إمكانية التقاط النحاس وخبث المعادن بصورة متوالية
من خلال الفتحة الصغيرة المثقوبة في أسفل الموقد، قد مكنت
من استمرار عملية الصهر نفسها ليلاً ونهاراً دون توقف


صوره 2


اعادة تشكيل مصهر اسلامي في الموقع الأصلي بإشادة مواقد حديثة فوق الأساسات القديمة

ولكن هذا المعدل العالي من الإنتاج كان له ثمنه الباهظ أيضاً
فقد اعتمد عمال التعدين المسلمون، شأنهم في ذلك شأن من سبقهم،
على الإمدادات الضخمة من الأخشاب المتوفرة لصناعة الفحم
وربما كانوا يستهلكون أكثر من الطاقة الممكنة للمنطقة
خاصة وأن الأفران الجديدة الكبيرة كانت تستهلك الفحم بدرجة هائلة.
ومن المقدر أن كل فرن من تلك الأفران الكبيرة كان يستهلك
زهاء ثلاثين كيلو غراماً من الفحم النباتي مقابل كل
كيلو غرام واحد يتم صهره من النحاس الخام. ومن المرجح أن الطلب
على الأخشاب المحلية كان كبيراً جداً لدرجة أن الأخشاب اللازمة
لابد وأن جرى استيرادها من الخارج للمحافظة على معدلات الإنتاج العالية.
وكانت مسألة توفر النحاس في هذه الفترة أخف وطأة وأقل حدة
من مشكلة توفر الوقود على الرغم من أن العروق المكشوفة كانت
قد استنزفت خلال فترة الأربعة آلاف سنه السابقة لدرجة أن عمال
التعدين المسلمين كان عليهم أن يتوغلوا أكثر من ذي قبل
في منحدرات التلال للكشف عن مكامن جديدة.
وعلى الرغم من صعوبة وخطورة التعدين، فقد سارت تلك المهنة قدماً
وازدادت قوة وازدهاراً مع مرور الزمن.
وقد بدا في وقت من الأوقات أن تلك الصناعة سوف تستمر إلى مالا نهاية
شمسه غير متواجد حالياً