منتديات ورد للفنون  

العودة   منتديات ورد للفنون > منتديات عامة > المنتدى الثقافي

المنتدى الثقافي منتدى ثقافي ,الموضوعات الثقافيه وسيرة كبار الشعراء واجمل قصائدهم كنماذج للشعر الكلاسيكي والعامي والنبطي , ابداعات الاعضاء

الشاعر العراقى بدر شاكر السياب

الشاعر العراقى بدر شاكر السياب
إضافة رد
 
أدوات الموضوع
قديم 01-13-2008, 11:02 AM   #1
ثامر داود
ward2u
ward2u
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
الدولة: العراق
المشاركات: 785
ثامر داود is on a distinguished road
افتراضي الشاعر العراقى بدر شاكر السياب

ward2u

غربال الذاكرة : بدر شاكر السياب

فيصل الياسري

في ليلة عيد الميلاد من عام 1964 توفي في الكويت الشاعر العراقي البصراوي بدر شاكر السياب عن 38 سنة ( ولد عام 1926 في قرية جيكور من ضواحي البصرة ) ومثل الكثير من العباقرة في التاريخ الذين عاشوا عمرا قصيرا ترك السياب اثرا رياديا في الشعر العربي الحديث ، تأثر وسيتأثر به الكثيرون ..

وكتب وسيكتب عنه الكثيرون ، ولن اضيف شيئا لذوي الاختصاص لو كتبت في النقد الشعري والبنية اللغوية والنظمية او تحليل الاساليب والمعاني ، او التركيب المعماري لشعر السياب ، ولكنني - وكما اعتدت في غربال الذاكرة - ارغب ان اتذكر لحظات شخصية علقت في الذاكرة عمن اكتب عنهم ، ربما تساعد على تجسيد صورة عن قرب لبعض من صفاتهم وخصائصهم او لحظات حياتية لا يكتب عنها الانادرا !!


عرفت السياب في بداية الخمسينات حيث كنا نلتقي امام واحدة من المكتبات الاربع التي كانت تتوزع في اركان باب المعظم حيث المحطات النهائية لاهم خطوط الحافلات التي تسيرها امانة بغداد في انحاء المدينة ..والتي اعتاد الناس ان يستعملوا كلمة امانة غي تسميتها لا باص .. فيقولون ( نركب الامانة ) ..!!

كانت مكتبتنا المفضلة هي الاولى على يمين القادم من الاعظمية ، وكان صاحب المكتبة يهودي عراقي اسمه سميع ، يحب الشعر والادب ، ويسمح لنا ان نقف طويلا امام مكتبته ( التي هي في الواقع كشك كبير ) نتصفح المجلات والجرائد ونطلع على اصدارت الكتب الجديدة .وكان السياب قارئا مثابرا فقد قرأ الكثير في الادب العالمي والثقافة العالمية، كما انه قرأ لكبار الشعراء المعاصرين قراءة اصيلة عن طريق اللغة الانكليزية التي كان يجيدها . وكان يقرأ الكتب الدينية كما يقرأ الكتب اليسارية !!

كانت ساحة باب المعظم - الملتصقة بالسجن المركزي المقابل لوزارة الخارجية- تمتاز بحيوية رائعة تتعدى كونها ملتقى خطوط الباص ، فقد كانت تعج بالطلبة والاساتذة ، الذين يملاْون المقاهي المنتشرة حولها وذلك لقربها من جامعة بغداد وخصوصا كلية الاداب ودار المعلمين العالية حيث كان يدرس بدر شاكر السياب ليصبح معلما !!

كان سميع نادرا ما يتذمر من ازدياد عددنا ونحن نتجمهر امام مكتبته ، نقرأ مجانا ، ونسد عليه باب رزقه !! بل كان يفرح لوجودنا وينشغل عن البيع بالحوار الثقافي وحتى السياسي .. وعندما يقول له احدنا ( كأنك لست يهوديا ) يقول باصرار ( انا عراقي ) ..

كان السياب احد المدمنين على الوقوف امام مكتبة ( كشك) سميع حيث تتحول وقفاتنا تلك الى نقاش وجدل بصورة عفوية ، يشترك فيها من يحضر فيقف دقائق قصيرة او طويلة ، وكنت اصغر الحاضرين سنا ، واقلهم كلاما ، وكذلك السياب على ما اذكر لم يكن كثير الكلام ، ولكنه كان يفتخر انه من البصرة المدينة التي انجبت الاخفش وبشار بن برد والجاحظ وسيبويه والفرزدق وابن المقفع. ..والفراهيدي واضع عروض الشعر !!

وكان يقول انه كالمتنبي ربته جدته لامه ، بعد وفاة امه كريمة بنت مرزوق وهو في السادسة من عمره ، واتم دراسته الابتدائية في البصرة ، وانهى الثانوية عام 1942 ، وفي السنة نفسها توفيت جدته وبفقدانها فقد السياب صدرا حنونا فقرر ترك البصرة الى بغداد ، كما فعل المتنبي قبل الف سنة عندما ترك الكوفة وتوجه الى بغداد بحثا عن افاق جديدة !!

في السنوات التي كنت التقي فيها بالسياب امام مكتبة باب المعظم كان السياب قد تغلب على غربته في بغداد الى حد كبير ووجد اصدقاء بين المثقفين والشعراء الذين اهتموا بعطائه الشعري مع اول قصائده التي نشرها في جريدة الاتحاد وهو مازال طالبا في دار المعلمين التي فصل منها عام 1946 لمشاركته في المظاهرات ضد السياسة البريطانية في فلسطين ! ولكنه عاد لاكمال دراسته وتخرج معلما ليعين مدرسا في ثانوية الرمادي !!
ثم منع من التدريس لمواقفه السياسية ، وسجن لفترة ، وتنقل باعمال مختلفة متناقضة مع جسده الضئيل ونحافته الشديدة التي كانت احيانا مادة للتندر بين اصحابه ... وعندما جرحت يده مرة وسال دمه قال احد الخبثاء ( كنت اعتقد ان جسد بدر خالي من الدم !!)

تخيلوا بدر شاكر السياب في الوظائف التي شغلها في تلك الفترة : مأمور مخزن في شركة لتعبيد الطرق ، عامل في شركة التمور العراقية - و مستخدم في شركة نفط البصرة !!

اهتم السياب بما كنت اكتبه وانا ما زلت طالبا في الثانوي ، واغتبط عندما علم انني نشرت اول قصة لي وانا في الصف السادس ابتدائي !وقال انه ايضا بدأ كتابة الشعر وهو طالب في الابتدائية !! وعندما نشرت موضوعا بعنوان ( من انا ) في جريدة الراية الموصلية قرأه ثم نظر الي طويلا وقال ( هذا اكبر من عمرك ..)

واهداني نسخة من ديوانه ( أزهار ذابلة) وقد سحرني كونه رومانسيا غارقا في الرومانسية، كان يعيش في عالم خيالي مليء بالضباب ويعبر عن حزن عميق غامض مليء بالخيالات والاوهام والهروب من الواقع ، وهذا ينسجم مع مشاعرنا في تلك المرحلة حيث تغلب الروح الرومانسية الحزينة الغامضة ونحلم بعالم افضل .

وشجعني السياب على قراءة الكتب السياسة وخاصة الماركسية والتقدمية قائلا انها تفسر لك العلاقات الاقتصادية والاجتماعية وبدون ادراك ذلك يكون تفكيرنا قاصرا !!

( من المعروف ان السياب ارتبط بالماركسيين عدة سنوات ، ثم انفصل عنهم وارتبط بالاتجاهات السياسية القومية . وكتب سلسلة من المقالات في بداية الستينات من القرن الماضي بعنوان( كنت شيوعيا) ، وقد تبنته بعض الحركات القومية او المناهضة للشيوعية ، مع انه لم يكن منتميا الى أي حزب من الاحزاب القومية. )

في عام 1952 حينما اضطربت الاوضاع السياسية في العراق بعد الانتفاضة اختفى السياب عن مسامراتنا الواقفة امام مكتبة سميع في باب المعظم ، وعلمنا انه هرب متخفيا الى ايران ومنها الى الكويت حيث حصل على وظيفة متواضعة في شركة الكهرباء ! وسافرت انا لاكمال دراستي في فيينا !!

وفي عام 1954 وصلتنا مجلة الاداب وفيها قصيدته الرائعة والفريدة ( انشودة المطر )
ومنذ ان كنا صغارا كانت السماء

تغيم في الشتاء

مطر

مطر

مطر



عدت الى بغداد في تموز 1958 وشاءت الصدفة ان يكون من اوائل الذين التقيت بهم بدر شاكر السياب في مقهى سينما روكسي .
وكان يشكو من الام شديدة قال انه يعاني منها منذ سنة .. مرض غامض لم يجد له الاطباء شفاء وكان هذا المرض كفيلا بأن يضاعف حساسيته وقلقه واضطرابه ، ومما كان يزيد من مرارته واضطرابه انه كان يعاني من ضيق ذات اليد .. لقد بقى السياب طوال حياته القصيرة فقيرا ، يعاني العوز و يصارع صروف الحياة القاسية ومتاعبها الكثيرة بلا مورد مالي يضمن له حياة مريحة !!

في تلك الفترة حدثت ثورة 14 تموز ، وكان السياب متحمسا لها ، وشاءت الصدف ان التقيه يوم 17 تموز هو والشاعر المبدع حسين مردان (1927- 1972) امام مطعم وفندق النهرين قرب ساحة حافظ القاضي ، وطلبا مني ان ادعوهما الى وجبة قوزي او تشريب !!


حسين مردان

وبينما نحن نتناول غداءنا ، سمعنا ضجة في الشارع صارت تتزايد ، مما دفعنا الى الخروج نستطلع الامر ، فعلمنا بان الناس قد امسكوا بنوري السعيد ، وشاهدنا المنظر البشع لجثته يسحبها الهائجون بالحبال !! وبينما وقف حسين مردان يراقب المنظر بصمت وكأنه لا يصدق ما يرى ، سحبني السياب الى داخل المطعم معبرا عن رفضه وادانته للاعمال الغوغائية التي اعتبرها مسيئة للثورة !

**********

في عام 1961 بدأ ت صحة السياب تتدهور حيث بدأ يشعر بثقل في حركة واخذ الالم يزداد في اسفل ظهره بعد ذلك ظهرت حالة الضمور في جسده وقدميه

انا قد اموت غدا فان الداء يقرض غير وان

حبلا يشد الى الحياة حطام جسم مثل دار

نخرت جوانبها الرياح وسقفها سيل القطار

وظل يتنقل بين بغداد وبيروت وباريس ولندن للعلاج دون فائدة اخيرا توجه الى الكويت للعلاج فتوفي بالمستشفى هناك في 24 كانون الاول عام 1964 عن 38 عاما ونقل جثمانه الى البصرة حيث دفن في مقبرة الحسن البصري في الزبير..



بعد ثلاثين سنة من وفاة بدر شاكر السياب ، عادت سيرته تملاء دارنا في بغداد حيث بدأت هند كامل بتمثيل دور البطولة في مسلسل ( السياب ) الذي كتبه سامي محمد واخرجه فارس طعمة التميمي وانتجه المطرب سعدون جابر والذي يقام بالتمثيل فيه بدور مغني صديق للسياب ومثل دوره حكيم جاسم !!

وكعادة هند كامل عند استعدادها لاداء دور في فيلم او مسلسل تلفزيوني قامت بتحضير نفسها للعمل الجديد، خاصة وانه يدور حول شخصية حقيقية واقعية لا افتراضية ،وكانت اصلا من المعجبين بشعر السياب ، فاخرجت من مكتبتنا المنزلية الكتب التي لها علاقة بالسياب ، واقتنينا كتبا جديدة ، وصار السياب وحياته وشعره شغلها الشاغل لبضعة اشهر وكثيرا ما يصبح الحديث عنه جزء من جلسات السمر مع الاصدقاء ، وفي تلك الفترة ، ومن خلال قراءة هند لسيرة السياب - وهي تحضر لدورها في المسلسل عن حياته - ازدادت معرفتنا بالسياب كشاعر كبير بكل معنى الكلمة ، شاعر ترك وراءه رغم انه مات في الثامنة والثلاثين من عمره ثروة من الشعر الغزير الخصب الذي جعل منه احد اعظم شعراء العربية المعاصرين في تنوع انتاجه وغزارته وشموله لكثير من القضايا والتجارب الانسانية ، وبالرغم من شهرته عاش فقيرا طيلة حياته ونكب بمحنة المرض وهو في قمة شبابه، ورحل بعد ان تألم كما لم يتألم أحد، لقد كان يعاني آلام المرض العنيف الذي سكن جسده ولم يبرحه ولكنه مع ذلك كان يحس بالامل وكان يحتمل في صبر كل جراحه وكان يحلم ان يعود من المستشفيات الى قريته ( جيكور) فيخاطب ربه قائلا :

لانه منك حاو عندي المرض

حاشا، فلست على ما شئت اعترض

والمال؟ رزق سيأتي منك موفور

هيهات ان يذكر الموتى وقد نهضوا

من رقدة الموت كم مص الدماء بها دود

ومد بساط الثلج ديجور

اني سأشفى ، سأنسى كل ما جرح قلبي

وعرى عظامي فهي راعشة والليل مقرور

وسوف أمشي الى جيكور ذات ضحى

وكان السياب يشبه نفسه بايوب حيث ابتلته الاقدار بمرض قاس أليم كما ابتلت أيوب، وكان عليه ان يصبر ويتحمل كما صبر أيوب . ففي قصيدته ( سفر أيوب) تعبير عن هذه المحنة التي جعلت منه ايوبا معاصرا:

يا رب أيوب قد اعيا به الداء

في غربة دونما مال ولا سكن

يدعوك في الدجن

يدعوك في ظلموت الموت أعباء

ناء الفؤاد بها فارحمه ان هتفا

اعدني الى داري الى وطني

لك الحمد مهما استطال البلاء

ومهما استبد الالم

لك الحمد ان الرزايا عطاء

وان المصيبات بعض الكرم

فهل تشكر الارض قطر المطر؟

وتغضب ان لم تجدها الغمام؟

شهور طوال وهذى الجراح

ولا يهدأ الداء عند الصباح

ولا يمسح الليل اوجاعه بالردى

ولكن أيوب ان صاح صاح:

" لك الحمد ، ان الرزايا ندى

وان الجراح هدايا الحبيب

اضم الى الصدر باقاتها،

هداياك في خافقي لا تغيب

هداياك مقبولة . هاتها"


هند كامل في مسلسل السياب
ثامر داود غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-13-2008, 11:10 AM   #2
ثامر داود
ward2u
ward2u
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
الدولة: العراق
المشاركات: 785
ثامر داود is on a distinguished road
افتراضي

ولد الشاعر بدر شاكر السياب في 25/12/1925 في قرية جيكور التي اغرم بها وهام أحدهما الآخر... وهي من قري قضاء (أبي الخصيب) في محافظة البصرة.
والده: شاكر بن عبدالجبار بن مرزوق السياب، ولد في قرية (بكيع) واكمل دراسته في المدرسة الرشيدية في أبي الخصيب وفي البصرة أثناء العهد العثماني، زاول التجارة والأعمال الحرة وخسر في الجميع ثم توظف في دائرة (تموين أبي الخصيب) توفي في 7/5/1963. وأولاده (د. عبدالله وبدر ومصطفي).
والدته: هي كريمة بنت سياب بن مرزوق السياب، توفيت قبله بمدة طويلة، وتركت معه اخوان اصغر منه، فتزوج ابوه امرأة أخري.
قريته : هي قرية جيكور... قرية صغيرة لا يزيد عدد سكانها آنذاك علي (500) نسمة، اسمها مأخوذ في الأصل من الفارسية من لفظة (جوي كور) أي (الجدول الأعلي)، تحدثنا كتب التاريخ علي أنها كانت موقعاً من مواقع الزنج الحصينة، دورها بسيطة مبنية من طابوق اللبن، الطابوق غير المفخور بالنار وجذوع أشجار النخيل المتواجدة بكثرة في بساتين جيكور التي يملك (آل السياب) فيها أراضٍ مزروعة بالنخيل تنتشر فيها انهار صغيرة تأخذ مياهها من شط العرب...، وحين يرتفع المد تملئ الجداول بمائه، وكانت جيكور وارفة الظلال تنتشر فيها الفاكهة بأنواعها ـ مرتعاً وملعباً ـ وكان جوّها الشاعري الخلاب أحد ممهدات طاقة السياب الشعرية وذكرياته المبكرة فيه ظلت حتي أخريات حياته تمد شعره بالحياة والحيوية والتفجر (كانت الطفولة فيها بكل غناها وتوهجها تلمع أمام باصرته كالحلم... ويسجل بعض اجزائها وقصائده ملأي بهذه الصور الطفولية...) كما يقول صديقه الحميم، صديق الطفولة : الشاعر محمد علي إسماعيل. هذه القرية تابعة لقضاء أبي الخصيب الذي اسسه (القائد مرزوق أبي الخصيب) حاجب الخليفة المنصور عام 140 هـ والذي شهد وقائع تاريخية هامة سجّلها التاريخ العربي، ابرزها معركة الزنج ما تبعها من أحداث. هذا القضاء الذي برز فيه شعراء كثيرون منهم (محمد محمود) من مشاهير المجددين في عالم الشعر والنقد الحديث و(محمد علي إسماعيل) صاحب الشعر الكثير في المحافظة و(خليل إسماعيل) الذي ينظم المسرحيات الشعرية ويخرجها بنفسه ويصور ديكورها بريشته و(مصطفي كامل الياسين) شاعر و(مؤيد العبد الواحد) الشاعر الوجداني الرقيق وهو من رواة شعر السياب و(سعدي يوسف) الشاعر العراقي المعروف و(عبد اللطيف الدليشي) الاديب البصري و(عبد الستار عبد الرزاق الجمعة) وآخرين...
نهر بويب : تنتشر في أبي الخصيب انهار صغيرة تأخذ مياهها من شط العرب وتتفرع إلي انهار صغيرة... منها (نهر بويب) ، النهر الذي ذكره الشاعر كثيراً في قصائده... هذا النهر الذي كان في الأصل وسيلة اروائية بساتين النخيل، يبعد عن شط العرب اكثر من كيلومتر واحد، والذي لا ينبع منه بل يأخذ مياهه من نهر آخر اسمه (بكيع) بتصغير كلمة (بقعه )، يتفرع إلي فرعين احدهما نهر بويب، أما الآن فهو مجري عادي صغير جفّت مياهه وغطّي النهر نباتات (الحلفاء) وبعض الحشائش. وفي السابق كان علي جانبيه أشجار الخوخ والمشمش والعنب، وكان بدر يحب ان يلعب في ماء بويب ويحلو له ان يلتقط المحار منه ويجلس علي نخلة ينظر الماء المنساب..
وفي لقاء مع (عبدالمجيد السياب) عم الشاعر قال...: (كنت أعرف مكان السياب علي النهر (نهر بويب) من الأوراق... إذ كان عندما يكتب يمزق كثيراً من الأوراق ويرميها في النهر فأهتدي بها إليه...). وعن سر اهتمام السياب بـ (بويب) قال السيد عبد المجيد..lفي نهاية الأربعينيات قرأت قصيدة لبابلو نيرودا يتحدث عن نهر لا اذكر اسمه وكان السياب قريب مني، فقرأ القصيدة واعتقد انه تأثر بها فكتب قصيدته (بويب)..).
منزل الأقنان: قال أحمد عبدالعزيز السياب..: (ان دار السياب قد قسمت إلي قسمين... دار جدي... ومنزل الأقتان الذي خلّده كثيراً في شعره، يبعد هذا المنزل عشرين متراً عن الدار الحقيقية وهو بيت فلاحي جد بدر الذين استغلتهم عائلة السياب، وهو بيت واسع قديم مهجور كان يدعي (كوت المراجيح) وكان هذا البيت في العهد العثماني مأوي عبيد (أسرة السياب) وكان الشعر بدر قد جعل من منزل الأقتان في أيام طفولته مقر الجريدة كان يخطّها ويصدرها الشاعر بإسم (جيكور) يتناقلها صبيان القرية ثم تعود في ختام قراءتها من قبل أصدقاء بدر ليلصقها الشاعر علي حائط منزل الأقتان.
بعض من ارتبط بهن وأحبهنّ: ,لآق. ولابد من ذكر من ارتبط بهن وأحبهن...:
ـ كانت الراعية (هويله) هي أول امرأة خفق لها قلبه وأحبها، حيث كانت اكبر منه سنا ترعي أغنام لها، يقابلها خارج قريته، وفجأة تحول إلي حب فتاة جميلة عمرها آنذاك (15) سنة، كانت تأتي إلي قريته والسياب في عنفوان شبابه وهو الباحث عن الحنين فالتجأ يتشبث بحب (وفيقه) التي كانت تسكن علي مقربة من بيت الشاعر. كان البيت فيه شباكاً مصبوغاً باللون الأزرق يعلو عن الأرض مترا أو يطل علي درب قرب من بيت قديم، شباك وفيقة التي لم يسعده حظه في الزواج منها، في شباكها قال شعرا جميلا، ولم يعرف لحد الآن هل ان وفيقة كانت تبادله الحب أم لا. ولم يكن في جيكور مدرسة في ذلك الوقت، لذا كان علي السياب ان يسير مشيا إلي قرية (آل إبراهيم) الواقعة بالقرب من جيكور بعد ان انهي الصف الرابع بنجاح وانتقل إلي مدرسة المحمودية والتي كانت إدارة المدرسة مطلة علي الشارع، شناشيل ملونة، وكان بيت الجلبي يقع خلف المدرسة، كان الشاعر يجول في هذه الطرقات المؤدية إليه سيما وان له زملاء وهو بعيد عن جيكور، وكانت (ابنة الجلبي) فتاة جميلة كان يراها السياب وهو ماراً بزقاق يؤدي لمسكنها، فان يتغزل بها ويحبها من طرف واحد فقط.
ـ وفي دار المعلمين العالية في بغداد وقع في حب جديد، فتاة بغدادية اخذت حظها من العلم والمعرفة ولها فوق ثقافتها جمال يأخذ بالالباب وهي التي يصفها بأن لها في وجهها غمّازة، تلبس العباءة وكانت عندما تمر به تضع العباءة علي وجهها كي لا تراه وكانت (نازك الملائكة) صديقة (لباب) التي احبها الشاعر من جانب واحد وكانت ذكية وجميلة جدا وكان أهلها يوصونها ان تعبس عندما تسير لكي لا يطمع الآخرون بملاحقتها وقد اعرضت عن كل الذين خطبوها.
وأحب زميلة له حبا من طرف واحد أيضا وكان حبا افلاطونيا ارتفع حب الخيال حتي جاوز الحد وتضاءلت فيه رغبة الجسم فما كان منها إلا ان تتزوج رجلا ثريا وتترك السياب بآلامه.
وتعرّف علي الشاعرة (لميعة عباس عمارة) في دار المعلمين العالية، وكانت علاقة...
كانت بادئ ذي بدء ذات طابع سياسي ولكن ـ كعادته ـ وقع في حبها لأنها كانت من اخلص صديقاته، وقال فيها قصائد كثيرة ودعاها السياب لزيارته في جيكور وبقيت في ضيافته ثلاثة أيام كانا يخرجان سوية إلي بساتين قريته ويقرأ لها من شعره وهما في زورق صغير. ويتعرف الشاعر علي صديقة بلجيكية، اسمها (لوك لوران) وقد وعدته ان تزور قريته جيكور فكتب قصيدة تعتبر من أروع قصائده الغزلية... وشاء حظه ان يلتقي بمومس عمياء اسمها (سليمه) فاكتشف من خلالها عالم الليل والبغاء واكتشف اسرارا غريبة واعطانا صورة صادقة لما كانت تعانيه هذه الطبقة من الناس، فكانت قصيدته الرائعة (المومس العمياء) التي صوّر فيها الواقع الاجتماعي آنذاك وواقع المرأة بصورة خاصة.
زواجه : ويتزوج السياب إحدي قريباته، وأحب زوجته فكان لها الزوج المثالي الوفي، وكانت هي كذلك، فقد انجبت منه غيداء وغيلان والاء، ولمّا اصابه المرض كانت مثال المرأة الحنونة، المحتملة كل متاعب والأم الحياة، حيث كانت الأيام معه اياما قاسية. تقول عنها زوجته السيدة اقبال...: (عندما تغدو قسوة الأيام ذكريات، تصبح جزءا لا يتجزأ من شعور الإنسان، تترسب في أعماقه طبقة صلبة يكاد يشعر بثقلها إذ ما تزال تشدني ذكرياتي معه كلما قرأت مأساة وسمعت بفاجعة).
تقول عن كيفية زواجها منه...: لم أتعرف عليه بمعني الكلمة (التعارف والحب واللقاء) إنما كانت بيننا علاقة مصاهرة حيث ان اختي الكبري كانت زوجة لعم الشاعر (السيد عبدالقادر السياب) في أوائل الثلاثينات، وكان أخي قد تزوج من أسرة السياب، وبعد نيل الموافقة الرسمية تم عقد الزواج في 19 حزيران (يونيو) 1955 في البصرة ثم انتقلنا إلي بغداد
كانت السنوات الثلاث الأخيرة من حياته فترة رهيبة عرف فيها صراع الحياة مع الموت. لقد زجّ بجسمه النحيل وعظامه الرقاق إلي حلبة هذا الصراع الذي جمع معاني الدنيا في سرير ضيق حيث راح الوهن وهو يتفجرعزيمة ورؤي وحبا، يقارع الجسم المتهافت المتداعي، وجه الموت يحملق به كل يوم فيصدّه الشاعر عنه بسيف من الكلمة... بالكلمة عاش بدر صراعه، كما يجب ان يعيش الشاعر، ولعل ذلك لبدر، كان الرمز الأخير والأمضّ، للصراع بين الحياة والموت الذي عاشه طوال عمره القصير علي مستوي شخصه ومستوي دنياه معاً. فهو قبل ذلك إذ كان جسده الضامر منتصبا، خفيفا، منطلقا يكاد لا يلقي علي الأرض ظلا لشدة شفافيته.
للسياب اثار مطبوعة هي:
ازهار ذابلة (شعر)، اساطير (شعر)، المومس العمياء (ملحمة شعرية)، حفار القبور (قصيدة طويلة)، الاسلحة والاطفال (قصيدة طويلة)، مختارات من الشعر العالمي الحديث (قصائد مترجمة)، انشودة المطر (شعر)، المعبد الغريق (شعر)، منزل الاقنان (شعر)، شناشيل ابنة الجلبي (شعر)، ديوان بجزئين (اصدار دار العودة).
أما اثاره المخطوطة فهي:
زئير العاصفة (شعر)، قلب اسيا (ملحمة شعرية)، القيامة الصغري (ملحمة شعرية)، من شعر ناظم حكمت (تراجم)، قصص قصيدة ونماذج بشرية، مقالات وبحوث مترجمة عن الانكليزية منها السياسية والادبية.. مقالات وردود نشرها في مجلة الاداب... شعره الاخير بعد سفره إلي الكويت ولم يطبع في ديوانه الاخير (شناشيل ابنة الجلبي) قصائد من ايديث ستويل.
ثامر داود غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-13-2008, 11:13 AM   #3
ثامر داود
ward2u
ward2u
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
الدولة: العراق
المشاركات: 785
ثامر داود is on a distinguished road
افتراضي

كانت قرية عراقية صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها ألفا ومائتي نسمة والقابعة على نهر أبوفلوس من شط العرب ، على موعد مع شاعر مرهف الحس ذاق من عذابات الحياة الكثير غير أنها ما زادت كلماته إلا رنينا في أذن من استمع إليها أو من تابعت عيناه انسيابها في إحدى قصائده المعبرة .. إنه بدر شاكر السياب صاحب بعض روائع القصائد التى قيلت فى الشعر العربى والذي يتذكره العالم الآن في ذكرى مولده.
بدر طفل يداعب الطبيعة الغناء

على امتداد شط العرب إلى الجنوب الشرقي من البصرة، تقع أبوالخصيب التي تمثل مركز قضاء تابع للواء البصرة يضم عددا من القرى من بينها قرية جيكور، حيث ولد السياب في منطقة (بكيع) وجيكور محلة صغيرة فيها وهي كلمة فارسية تعني (بيت العميان) ، وأمام القرية جزيرة جميلة اسمها (الطويلة) كثيرا ما كان السياب يقضي الساعات الطوال فيها ، أما نهر بويب فأحبه الشاعر كثيرا وهو من الأنهار الصغيرة المنتشرة آنذاك في أبي الخصيب حيث تأخذ مياهها من شط العرب.. ،

أما الآن فهو مجري عادي صغير جفّت مياهه وغطّي النهر نباتات الحلفاء. وفي السابق كان علي جانبيه أشجار الخوخ والمشمش والعنب، وكان بدر يحب أن يلعب في ماء بويب ويحلو له أن يلتقط المحار منه ويجلس علي نخلة ينظر الماء المنساب.. وهو يسأل النهر بقوله :
البيئة الغناء

…أغابة من الدموع أنت أم نهر؟

والسمك الساهر هل ينام في السحر؟

وهذه النجوم هل تظل في انتظار

تطعم بالحرير آلاف من الإبر ؟

وأنت يا بويب

أود لو غرقت فيك ألقط المحار

أشيد منه دار

يضيء فيها خضرة المياه و الشجر

ما تنضح النجوم و القمر

وأغتدي فيك مع الجزر إلى البحر

فالموت عالم غريب يفتن الصغار

وبابه الخفي كان فيك يا بويب…


كان آل السياب يملكون أراضي مزروعة بالنخيل، وهم مسلمون سنيون عرفتهم جيكور لأجيال عدة، وعلى الرغم من أنهم لم يكونوا من كبار الملاكين في جنوب العراق، فانهم كانوا يحيون حياة لائقة محترمة حسب المعايير المحلية. . وقد تزوج شاكر بن عبدالجبار - وهو والد شاعرنا - ابنة عمه كريمة، وأسكنها معه في دار والده على ما تقضي به العادات المرعية، وفي الرابع والعشرين من شهر ديسمبر 1926 ولدت له ابنا دعاه (بدرا)، وقد طار به فرحا وسجل تاريخ ميلاده حتى يتذكره، لكنه ما لبث أن فقده وبقي تاريخ ميلاد بدر مجهولا ..!

إذ لم تكن إدارة البلاد في ذلك الوقت متفرغة لتنظيم تسجيل المواليد، ولا سيما في النواحي النائية. وفي 1928 ولدت له ابنا ثانيا دعاه عبدالله، وفي 1930 ولدت له ابنا ثالثا دعاه مصطفى ، وورد أن أعضاء الأسرة من الذكور لا يزيدون على ثلاثين في الوقت الحاضر لكن الأسرة كانت أكبر مما هي اليوم في أوائل القرن التاسع عشر إذ كانت تضم عائلة المير. لكن كثيرين من أعضائها ماتوا في الطاعون الذي انتشر في العراق سنة 1831 وكان سياب بن محمد بن بدران المير أحد أعضائها، وكان قد فقد جميع أهله الأقربين وكلمة سياب بتشديدها بضم السين أو فتحها : اسم يطلق على البلح أو البسر الأخضر. لكن قصة تروى في العائلة تزعم أنه دعي بهذا الاسم لأنه فقد جميع أقربائه وسيب وحيدا.

أما في البيت فقد كان بدر يلعب مع أصدقائه فيشاركه أخواه الأصغران، وكان الأماكن المحببة للعبهم بيت واسع قديم مهجور يدعى (كوت المراجيح) باللهجة المحلية ، وكان هذا البيت في العهد العثماني يؤوي عبيد الأسرة (مصطفى السياب، ومن هنا اسمه ، إذا معنى (المراجيح) المراقيق أي الرقي أو العبيد) ، وقد دعاه بدر في شعره فيما بعد (منزل الأقنان) كانوا يلعبون في فنائه بالقفز على مربعات ودوائر تخطط على الأرض وما شابه ذلك من العاب القفز، وكان يلذ لهم كذلك أن يرووا عنه قصص الأشباح، وقد جعله بدر مقرا لجريدة خطية كان يصدرها مدة باسم (جيكور) تتناقلها أيدي صبيان القرية.

كان بدر يلعب على شاطئ بويب ، وأحب بدر بيتا هناك كان أشد ما يجذب انتباهه إليه تلك الشناشيل - هي شرفة مغلقة مزينة بالخشب المزخرف والزجاج الملون - غير أن الشاعر لم يقض سنواته الأولى في هذا البيت وإنما قضاها في ظل أمه، وقضى فترات متقطعة من صباه وشبابه الباكر في جنبات هذا البيت ، أما سبب هجر عائلة السياب لهذا البيت أو بالأحرى لجيكور فهو بسبب ذهاب الشباب إلى المدن بعد توظيفه.
السياب يدرك واقع الحياة منذ الصغر

دخل السياب في أول مراحله الدراسية مدرسة باب سليمان الابتدائية في أبي الخصيب، ثم انتقل إلى المحمودية الابتدائية التي أسسها المرحوم محمود باشا العبدالواحد في سنة 1910 في العهد العثماني، وبقيت تحمل اسمه حتى الآن وتخرج من هذه المدرسة في عاش بدر طفولة سعيدة غير إنها قصيرة سرعان ما تحطمت إذ توفيت أمه عام 1932 أثناء المخاض لتـترك أبناءها الثـلاثة وهى في الثالثة والعشرين من عمرها.

الأمر الذي صدم بدر في طفولته ، وما كان أمامه سوى اللجوء إلى جدته لأبيه (أمينة) وفترت علاقته الوثيقة بأبيه بعد أن تزوج من امرأة أخرى سرعان ما رحل بها إلى دار جديدة بعيدا عن بدر وأخـويه، ومع أن هذه الدار في بقيع أيضا، غير أن السياب وأخويه انضموا إلى دار جده في جيكورالقرية الأم ، غير أن العائلة تورطت في مـشكلات كبيرة ورزحت تحت عبء الديون، فبيعت الأرض تدريجيا وطارت الأملاك ولم يبق منها إلا القليل ، كان بدر يضطر للمشي إلى قرية باب سليمان غرب جيكور للذهاب للمدرسة ثم بعد الانتقال إلى المدرسة المحمودية الابتدائية للبنين في أبي الخصيب بدأت علاقته بالبيت الفخم الذي تزينه الشرفات الخشبية المزججة بالزجاج الملون "الشناشيل" والتي ستكون فيما بعد اسما لمجموعة شعرية متميزة هي شناشيل ابنة الجلبي- الجلبي لقب للأعيان الأثرياء- وفى هذه المدرسة تعلم أن يردد مع أترابه أهزوجة يرددها أبناء الجنوب عند هطول المطر، انظر إليه حينما ينشد :

… وأبرقت السماء … فلاح، حيث تعرج النهر

وطاف معلقا من دون يلثم الماءا

شناشيل ابنة الجلبي نور حوله الزهر

عقود ندى من اللبلاب تسطع منه بيضاءا

وآسية الجملية كحل الأحداق

منها الوجد والسهر

يا مطرا يا حلبي

عبر بنات الجلبي

يا مطرا يا شاشا

عبر بنات الباشا…

وفى هذه المرحلة المبكرة بدأ ينظم الشعر باللهجة العراقية الدارجة في وصف الطبيعة أو في السخرية من زملائه، وكانت محبة جدته أمينة تمنحه العزاء والطمأنينة والعطف غير انه سرعان ما فقدها إذ توفيت في أيلول 1942 استمع إليه وهو حين يبكيها يقول :

جدتي من أبث بعدك شكواي

طواني الأسى وقل معيني

أنت يا من فتحت قلبك بالأمس لحبي

أوصدت قبرك دوني

فقليل على أن اذرف الدمع

ويقضى على طول أنيني


وتفاقم الأمر إذ باع جده ما تبقى من أملاكه مرغما، إذ وقع صغار الملاك ضحية للمالكين الكبار وأصحاب مكابس التمر والتجار والمرابين الأمر الذي ضاعف معاناة بدر الرومانسي الذي ما كان يدرك في ذاك الوقت معنى صراع القوي والضعيف في مدينة بغداد صيف 1943 أنهى بدر دراسته الثانوية، وقـبل في دار المعلمين العالية ببغداد (كلية التربية) وكان في السابعة عشرة من عمره ليقضى فيها أربعة أعوام ، وكتب خلال تلك الفترة قصائد مترعة بالحنين إلى القرية والى الراعية هالة التي احبها ويكتب قصائده العمودية أغنية السلوان وتحية القرية.. الخ ،

كما اكتسب في بغداد ومقاهيها صداقة بعض من أدبائها وينشر له ناجي العبيدي قصيدة لبدر في جريدته الاتحاد هي أول قصيدة ينشرها بدر في حياته .

تكونت في دار المعلمين العالية في السنة الدراسية جماعة أسمت نفسها "أخوان عبقر " كانت تقيم المواسم و الحفلات الشعرية حيث ظهرت مواهب الشعراء الشبان، كان السياب من أعضاء الجماعة، كما كانت الشاعرة نازك الملائكة من أعضائها أيضا، بالإضافة إلى شاعرين يعتبران المؤسسين للجماعة هما الأستاذان كمال الجبوري والدكتور المطلبي، ويتعرف بدر على مقاهي بغداد الأدبية ومجالسها مثل مقهى الزهاوي ومـقـهى البلدية ومقهى البرازيلية وغيرها يرتادها مع مجموعة من الشعراء الذين غدوا فيما بعد (رواد حركة الشعر الحر) مثل رشيد ياسين وعبد الوهاب البياتي وغيرهم ، والتقى امرأة يحبها وهي لا تبادله هذا الشعور حيث كانت تكبره في العمر كما لم يكن بدر وسيما وهذا الأمر أثر في نفسه كثيرا .

أيها الظلام متى تنقشع..؟

مرحلة أخرى في حياة بدر حيث يتعرف على شعر وود وورث وكيتس وشيلى بعد أن انتقل إلى قسم اللغة الإنجليزية ويعجب بشعر اليوت واديث سيتويل ومن ثم يقرأ ترجمة لديوان بودلير أزهار الشر فتستهويه ، ويتعرف على فتاة أضحت فيما بعد شاعرة معروفة غير أن عائق الدين يمنع من لقائهما فيصاب بإحباط آخـر، فيجـد سلوته في الانتماء السياسي الذي كانت عاقبته الفـصل لعـام دراسي كامل من كليته ومن ثم سجنه عام 1946 لفترة وجيزة أطلق سراحه بعدها ليسجن مرة أخرى عام 1948 بعد أن صدرت مجموعته الأولى أزهار ذابلة عام 1947 تضمنت قصيدة "هل كان حبا " حاول فيها أن يقوم بتجربة جديدة في الوزن والقافية تجمع بين بحر من البحور ومجزوءاته أي أن التفاعيل ذات النوع الواحد يختلف عددها من بيت إلى آخر .


ويتخرج السياب ويعين مدرسا للغة الإنجليزية في مدرسة ثانوية في مدينة الرمادي وظل يرسل منها قصائده إلى الصحف البغدادية تباعا، وفى يناير 1949 ألقي عليه القـبض في جـيكور أثناء عطلة نصف السنة ونقل إلى سجن بغداد واستغني عن خدماته في وزارة المعارف رسميا فى25 يناير 1949 وافرج عنه بكفالة بعد بضعة أسابيع ومنع إداريا من التدريس لمدة عشر سنوات، فعاد إلى قريته يرجو شيئا من الراحة بعد المعاملة القاسية التي لقيها في السجن .


توجه بعد ذلك إلى البصرة ليعمل (ذواقة) للتمر في شركة التمور العراقية، ثم كاتبا في شركة نفط البصرة، وفى هذه الأيام ذاق الفقر والظلم والشقاء ولم ينشر شعرا قط، ليعود إلى بغداد يقضي نهاره في مقهى حسن عجمي يتلقى المعونة من أصحابه اكرم الوتري ومحي الدين إسماعيل وخالد الشواف، عمل بعدها مأمورا في مخزن لإحدى شركات تعبيد الطرق في بغـداد ، وهكذا ظل يتنقل من عمل يومي إلى آخر.

وتستعد المحنة للرحيل ..

وفى عام 1950 ينشر له الخاقاني مجموعته الثانية (أساطير) بتشجيع من أكرم الوتري مما أعاد إلى روحه هناءتها وأملها بالحياة، ويبدأ بدر بكتابة المطولات الشعرية مثل أجنحة السلام و اللعنات وحفـار القـبور و المومس العمياء وغيرها ، ويضطرب الوضع السياسي في بغداد عام 1952 ويخشى بدر أن تطاله حملة الاعتقالات فيهرب متخفيا إلى إيران ومنها إلى الكويت بجواز سفر إيراني مزور باسم (على آرتنك) على ظهر سفينة شراعية انطلقت من عبادان في يناير 1953، كتب عنها فيما بعد قصيدة اسمها فرار 1953 وهناك وجد له وظيفة مكتبية في شركة كهرباء الكويت حيث عاش حياة اللاجئ الذي يحن بلا انقطاع إلى أهله ووطنه، وهناك كـتب أروع قصائده "غريب على الخليج " إنه يئن حنينا لوطنه هذه بعض من كلماته ..

أيخون إنسان بلاده؟

إن خان معنى أن يكون ، فكيف يمكن أن يكون ؟

الشمس أجمل في بلادي من سواها ، و الظلام

.حتى الظلام - هناك أجمل ، فهو يحتضن العراق

واحسرتاه ، متى أنام

فأحس أن على الوساده


ليلك الصيفي طلا فيه عطرك يا عراق ؟
بزوغ فجر جديد


غير أنه ما يلبث أن يعود إلى بغداد بعد انقضاء عدة اشهر يلتقي بأصدقائه القدامى في مقهى حسن، ويقطع صلته بالحركة السياسية التي كان ينتمي إليها بعد تجربته المريرة في الكويت مع بعض رفاقه السابقين الذين عاشوا معه في بيت واحد. ثم يصدر أمر وزاري بتعيينه في مديرية الاستيراد والتصدير العامة، ويستأجر بيتا متواضعا في بغداد ويستدعى عمته آسيه لترعى شؤونه اليومية ثم تنشر له مجلة الآداب في يونيو 1954"أنشودة المطر" ولعلها من أروع ما كتب السياب منها ينشد ويقول :

السياب يفكر

…في كلّ قطرةٍ من المطر

حمراءَ أو صفراءَ من أجنّة الزهر

و كلّ دمعةٍ من الجياعِ و العراة

وكلّ قطرةٍ تُراقُ من دمِ العبيد

فهي ابتسامٌ في انتظارِ مبسمٍ جديد

أو حلمةٌ تورّدتْ على فمِ الوليد

في عالمِ الغدِ الفتيّ واهبِ الحياة

مطر مطر مطر…


ويكتب بعدها المخبر تليها الأسلحة والأطفال وفي المغرب العربي ورؤيا فوكاي ومرثية الآلهة ومرثية جـيكور وينشغل بالترجمة والكتـابة، وتحل سنة1955 حـيث يتزوج من "إقبال" شقيقة زوجة عمه عبداللطيف، وهى معلمة في إحدى مدارس البصرة الابتدائية .

في العام نفسه نشر ترجماته من الشعر المعاصر في كتاب سماه قصائد مختارة من الشعر العالمي الحديث يحتوى على عشرين قصيدة لأليوت وستويل وباوند سبندر ودي لويس وغيرهم ، وتقوم حرب السويس اثر العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 ليكتب بعـدها السـيـاب قصيدته بورسعيد ألقاها في اجتماع عقد في دار المعلمين العالية ببغداد تضامنا مع شعب مصر وفى،2 ديسمبر 1956 تولد ابنته البكر غيداء.

ويتعرف في شتاء1957 على مجلة جديدة ستلعب دورا هاما في مرحلته الفنية الجديدة تلك هي مجلة (شعر) اللبنانية كان محررها يوسف الخال وسرعان ما أصبح السياب أحد كتابها العديدين من دعاة التجديد في الشعر العربي مثل أدونيس وأنسي الحاج وجبرا إبراهيم جبرا وتوفيق صايغ، لتبدأ قطيعته مع مجلة الآداب التي تبنت نتاجه المدة السابقة، وبدعـوة من المجلة الجديدة يسافر إلى بيروت لاحياء أمسية شعرية تعرف خلالها على أدونيس و أنسي الحاج وشوقي أبى شقرا وفؤاد رفقه ويوسف الخال، ويعود إلى بغداد أشد ثقة بشاعريته.

واكثر إحساسا بالغبن في بلده حيث يجابه وعائلته مصاعب الحياة براتب ضئيل .
وتستهويه الأساطير التي دلها عليه (الغصن الذهبي) لجو فريزر والذي ترجم جبرا فصلا منه، فيكتب قصائد مثل (جيكور والمدينة ) و(سربروس في بابل) و (مـدينة السندباد) ، ويجئ يوم 23 نوفمبر 1957 ليولد للشاعر ابنه غيلان وقد كثف بدر فرحه بمولوده في قـصيـدته مرحى غيلان وفيها يقول :

…بابا .. بابا

ينساب صوتك في الظلام إلى كالمطر الغضير

ينساب من خلل النعاس وأنت ترقد في السرير

من أي رؤيا جاء؟ أي سماوة؟ أي انطلاق؟

وأظل أسبح في رشاش منه، أسبح في عبير

وتأتى صبيحة 14 يوليو 1958 لتعلن عن نهاية الحكم الملكي على يد الجيش وتنسحب الجمهورية الوليدة من حلف بغداد تركيا، إيران، باكستان، العراق وتخرج من كتلة الإسترليني وتعلن قانون الإصلاح الزراعي وتطلق سـراح السجناء السياسيين، ويحس بدر أن ما تمناه طويلا قد تحقق، غير أن آمال بدر قد تهاوت اثر الانقسامات والاحترابات التي عصفت بالمجتمع آنذاك .
لك الحمد مهما استطال البلاء

وفى السابع من أبريل 1959 فصل من الخدمة الحكومية لمدة ثلاث سنوات بأمر وزاري لتبدأ من جديد رحلة التشرد والفقر، كان نتاجها عدد من القصائد مثل العودة لجيكور ورؤيا في عام 1956 والمبغى .

في يوليو 1960 يذهب إلى بيروت لنشر مجموعة من شعره هناك، وتوافق وجوده مع مسابقة مجلة شعر لأفضل مجموعة مخطوطة فدفع بها إلى المسابقة ليفوز بجائزتها الأولى (1000 ل. ل) عن مجموعته "أنشودة المطر" التي صدرت عن دار شعر بعد ذلك ، وعاد إلى بغداد بعد أن ألغي فصله وعين في مصلحة الموانئ العراقية لينتقل إلى البصرة ويقطن في دار تابعة للمصلحة في الوقت نفسه بدأت صحته تتأثر من ضغط العمل المضني والتوتر النفسي، غير أن صحته استمرت بالتدهور فقد بدا يجد صعوبة في تحريك رجليه كلتيهما وامتد الألم في القسم الأسفل من ظهره .

في 7 يوليو 1961 رزق بابنته آلاء في وقت ساءت فيه أحواله المالية، وغدا مثل قصبة مرضوضة. وحملته حالة العوز إلى ترجمة كتابين أمريكيين لمؤسسة فرانكلين، جرت عليـه العـديد من الاتهامـات والشكوك ، ثم تسلم في العام نفسه دعوة للاشتراك في (مؤتمر للأدب المعاصر) ينعقد في روما برعاية المنظمة العالمية لحرية الثقافة .

يعود بدر بعدها إلى بغداد ومن ثم إلى البصرة حيث الدار التي يقطنها منذ تعين في مصلحة الموانئ، يكابد أهوال المرض إذ لم يعد قادرا على المشي إلا إذا ساعده أحد الناس ولم يعد أمامه سوى السفر وهكذا عاد إلى بيروت في أبريل 1962 وأدخل مستشفى الجامعة الأمريكية في بيروت، وبعد محاولات فاشلة لتشخيص مرضه غادر المستشفى بعد أسبوعين من دخوله إليه بعد أن كتب قصيدته الوصية يخاطب فيها زوجته :

إقبال، يا زوجتي الحبيبه

لا تعذليني، ما المنايا بيدي

ولست، لو نجوت، بالمخلد

كوني لغيلان رضى وطيبه

كوني له أبا و أما وارحمي نحيبه


ويزوره اكـثر من طبيب في مرضه الميؤوس منه، وتنفد النقود التي تبرع بها أصدقاؤه له، وينشر له أصحابه ديوانه المعبد الفريق عن دار العلم للملايين ، وازدادت حاله سوءا وابتدأت فكرة الموت تلح عليه وهو ما نراه في قصيدة نداء الموت ليعود بعدها مدمرا نهاية سبتمبر 1962 تلاحقه الديون إلى البصرة، وتكفلت المنظمة العالمية لحرية الثقافة بنفقاته لعام كامل بعد أن رتبت له بعثة دراسية حيث كان الاقتراح أن ينخرط طالبا في جامعة إنجليزية للدراسة من أجل الدكتوراه وفي أثناء ذلك ينصرف أيضا لمعالجة مرضه، حيث سعى له جبرا ابراهيم جبرا المفكر العربي عند ألبرت حوراني، الأستاذ في جامعة أكسفورد لقبوله بأسرع ما يمكن، وكان التأكيد على السرعة فأبدى حوراني حماسة للفكرة، غير أن قبوله لم يكن ليتم في الحال ولما لم يكن ثمة مجال للانتظار ومرض بدر في تصاعد سريع أخذ يعيق عليه سيره .

استطاع الأستاذ حوراني أن يجد له قبولا في جامعة درم وهي من جامعات شمال إنجلترا، المعروفة بدراساتها الشرقية وفي أوائل خريف 1962 سافر بدر إلى إنجلترا لأول مرة والمرض يكاد يقعده، وتوجه إلى مدينة درم، وهو شديد القلق والمخاوف على حالته الصحية . درم مدينة جبلية صغيرة، ابتنت شهرتا على وجود جامعة فيها هي من أفضل الجامعات البريطانية، غير أنها مدينة يلفها الضباب في معظم أيام السنة، ولقربها من مناجم الفحم المحيط بها من كل صوب، يشتد فيها الضباب قتاما أيام الخريف والشتاء لدرجة الكآبة واستقل بدر قطار عائدا إلى مستشفي في لندن، حيث نظم شعرا كثيرا يحمل بعض ما أحس به من كآبة في تلك المدينة الصغيرة ومن أبرز ما كتبه في هذه الفترة سفر أيوب ولك الحمد ، ومن الثانية نستمع إلى صوته الحزين يردد :

لكَ الحَمدُ مهما استطال البلاء

ومهما استبد الألم

لكَ الحمدُ إن ٌ الرزايا عطاء

وإنٌ المَصيبات بعض الكَرَم

ألم تُعطني أنت هذا الظلام

وأعطيتني أنت هذا السّحر؟

فهل تشكر الأرض قطر المطر

وتغضب إن لم يجدها الغمام؟


وبين الأمل واليـأس والمراسلات المستمرة انقضت أيامه في المستشفى موحشة باردة حتى صدرت مجموعته منزل الأقنان في بيروت- مارس 1963 بعد أن غادر بدر المستشفى بأيام قليلة، ليكتب بعدها مجموعة قصائد اشهرها شناشيل ابنة الجلبي مستذكرا كعادته طفولته وصباه في جيكور وأبي الخصيب وبين أفياء النخيل الوارفة وظلال البساتين ومجارى الأنهار، وفى15 مارس 1963 طار إلى باريس في طريق العودة إلى الوطن تحت إلحاح زوجته ورسائلها التي تصف الحالة المزرية التي ترزح تحت وطأتها العائلة، وفى باريس عرفه أصحابه بلا جـدوى على عـدد من الأطباء الفرنسيين، وفى 23 مارس 1963 غادر باريس على كرسي متحرك من مطار أورلي .


ولم يمر أسبوعان على وصول بدر إلى البصرة، حتى فصل من الخدمة الحكومية لمدة ثلاث سنوات ابتداء من 4 نيسان 1963 بناء على مقتضيات المصلحة العامة، وكانت هذه صدمة شديدة زادت من هموم بدر ، بعد ذلك بدأ يعمل كمراسل أدبي لمجلة حوار في العراق، بعد أن نال موافقة جون هنت، سكرتير المنظمة العالمية لحرية الثقافة في باريس. وبدأ يرسل إلى توفيق صايغ محررها في بيروت، تقارير فصلية عن الحركة الأدبية في العراق، وكان يدفع له أربعين دولارا على التقرير ، وصار ينشر شعره كذلك في هذه المجلة وكانت الأوساط الفكرية القومية قد بدأت ترتاب بها وتهاجمها على أنها أداة من أدوات الاستعمار الغربي وتسلله الثقافي.


ومن شدة مرضه فإنه حينما توفى أبيه في أوائل 1963 ، لم يستطع أن يذهب إلى المسجد لحضور جنازته، ولم يكتب شعرا مدة طويل، ولكنه عمل على ترجمة فصول عينها له جبرا من كتاب الشعر والنثر الأمريكيين الذي كان سينشر في بيروت بتكليف من مؤسسة فرنكلين في بغداد باشتراك مترجمين آخرين ، وقد فكر بدر، وهو يعيش ذكريات الماضي وينتج القليل من الشعر، أن يعيد شيء من شعر الباكر فاختار من أزهار ذابلة وأساطير عددا من القصائد ولا سيما من المجموعة الأخيرة، فشذبها وهذبها وحذف منها قليلا، ونشرها في بيروت في تشرين الأول 1963 بعنوان أزهار وأساطير .


وكان مجرى الأحداث السياسية في العراق يسوء فحيث كان بدر يأمل أن يرى جبهة متضامنة تؤيد العهد الجديد الذي أطاح بقاسم، كان هناك صراع على السلطة، وكان البعثيون يحاولون السيطرة على البلاد، لكن الرئيس عبدالسلام عارف والجيش أحبطا خططهم في تشرين الثاني 1963 ، وكان بدر في غضون ذلك هدفا لحملات صحفية بسبب تناقضاته السياسية في الماضي وموقفه غير الملتزم في الحاضر، وكانت علاقاته بمجلة جوار والمنظمة العالمية لحرية الثقافة تذكر ضده .

رصاصة الرحمة يا إلهي .. هكذا ناجى ربه

كتب ذات مرة إلى صديق له يقول ".. لم أعد أخاف من الموت ، ليأت متى شاء، أشعر أنني عشت طويلا. لقد رافقت جلقامش في مغامراته، وصاحبت عوليس في ضياعه، وعشت التاريخ العربي كله ألا يكفي هذا؟ .."ومرت بامرأته أيام عصيبة وهي تتفانى في خدمته وتوفر أسباب الراحة له وعلى الرغم من أنه كان يتمتع بكامل قواه العقلية فإنه كان أحيانا يتهمها بعدم العطف عليه ..! وكانت ترتيبات خاصة أخرى قد اتخذت قبل ذلك لمعالجة بدر في الكويت بترتيب من الشاعر الكويتي علي السبتي حيث كانت وظائف الجهاز العصبي قد بدأت تهزل لديه.

وقد بدا متشائما للغاية من شدة المرض وفساد العظام بأعضائه المشلولة وطلب من الله أن يعجل بموته قائلا :

هات الردى ، أريد أن أنام ..

بين قبور أهلي المبعثرة

وراء ليل المقبرة

رصاصة الرحمة يا اله….

وما أعظم ما كنت سعادته حين تسلم رسالة من زوجته في 3 اغسطس 1964، فكتب قصيدة عنوانها (رسالة) يصف فيها شعوره بالقلق على أسرته. وفي ليلة 5 اغسطس 1964 كان يفكر مشتاقا بابنتيه غيداء وآلاء وينتظر وصولهما مع غيلان وزوجته إقبال في اليوم التالي، فكتب قصيدة عنوانها (ليلة انتظار)، وفيها يقول وينتهي فيها بعبارة ..
قصائد .. كنت أكتبها لأجلك في دواويني

أحبيها تحبيني

ووصلت إقبال وأولادها إلى الكويت في اليوم التالي ونزلوا في بيت علي السبتي خلال إقامتهم في الكويت، وكانت إقبال تزور زوجها في المستشفى كل يوم فتؤنسه وتخدمه ، وكان بدر خلال إقامته في المستشفى يكسب بعض المال بنشر قصائده في الصحف الكويتية التي كانت تدفع له جيدا، وبدأت تنتاب بدرا نوبات من الهذيان والتصورات الوهمية، فان هزاله وضعفه الشديد واضطراب جهازه العصبي بدأت تؤثر في دماغه، وأخيرا، وفي يوم الخميس الموافق الرابع والعشرين من كانون الأول 1964 وقع في غيبوبة وفاضت روحه في الساعة الثالثة بعد الظهر ، وسيق الجثمان إلى المسجد حيث اجتمع قلة من الأهل والأصحاب، وبعد صلاة الجنازة أخذ جثمان بدر يرافقه بضعة رجال فقط، فووري التراب في مقبرة الحسن البصري غير بعيد عن قبر ذلك الرجل العظيم في يوم شديد المطر …!
قيل عن بدر

يقول الأديب محمد لطفي اليوسفي : بدر شاكر السياب مبدع "أنشودة المطر" جمع في شعره كل المفارقات التي خلخلت البلاد العربية وهزتها جذريا منذ بداية الخمسينات ثقافيا واجتماعيا انه شاعر الحب، والثورة، والموت.

أما أدونيس : بدر شاكر السياب من شهودنا الأول على الحضور، ولادة محتوى جديد، وولادة تعبير جديد من دلائل هذه الشهادة رفض الفصل بين التعبير والحياة، الشكل والمحتوى .

جبرا إبراهيم جبرا: ولعل بدر شاكر السياب كان أول من يرضى بأن تبدأ أسطورته بموته، فالأسطورة فيما يخص كبار المبدعين نوع من استنباع المعاني الحية من الشتات الذي يملأ حياته، وطريقة تتم، على مر السنين دونما إرادة من أحد لجمع هذه المعاني في كل متصل، مبلور.

محمد الماغوط : ولو افترضنا أن قيمة العمل الشعري تتوقف مثلا على ما سيلقيه الشاعر على قبر صغير في الصحراء لوجدنا أن السياب يلقي زهرة وغيره يلقي فراشة .

يقول الصحفي عبد الوهاب الشيخلي أنه حينما سأل بدر شاكر عن أنواع الشعر في الوطن العربي فقال: هناك شعر تعجب به لأول وهلة ويزداد إعجابك به على مر الزمن، وهذا هو أرفع أنواع الشعر وهو نادر الوجود، والنوع الثاني من الشعر هو الذي لا يعجبك للمرة الأولى ولكنك تعجب به عندما تقرأه في المرة الثانية أو الثالثة.. وشعر نازك الملائكة من هذا النوع, وأردف قائلا ً: وهناك نوع آخر من الشعر الذي يبهرك عند قراءته لأول مرة ثم يفقد بريقه وقيمته بمرور الزمن. وهذا هو الشعر المزوق البراق الفارغ الذي لا معنى له ..
وقد تربع السياب على عرش الشعر الحر في العراق وترك لنا دواوين "أزهار ذابلة" 1947، "أساطير" 1950، "حفار القبور" 1952، "المومس العمياء" 1954، "الأسلحة والأطفال" 1955، "أنشودة المطر" 1962، "المعبد الغريق" 1962، "منزل الأقنان"1963 ، و "شناشيل ابنة الجلبي" 1964. ثم نشر ديوان "اقبال" عام 1965. وله قصيدة "بين الروح والجسد" في ألف بيت تقريباً ضاع معظمها. وقد جمعت دار العودة "ديوان بدر شاكر السياب" 1971. وله من الكتب "مختارات من الشعر العالمي الحديث"، و"مختارات من الأدب البصري الحديث".
ثامر داود غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-13-2008, 11:23 AM   #4
ثامر داود
ward2u
ward2u
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
الدولة: العراق
المشاركات: 785
ثامر داود is on a distinguished road
افتراضي

في الليل .. قصيدة بدر شاكر السياب والاستثناء الشعري




في الليل .. قصيدة بدر شاكر السياب والاستثناء الشعري
كمال سبتي

نصُّ القصيدة :

في الليل..

الغُرفَةُ موصَدَةُ البابِ

والصَمتُ عميقْ

وستائرُ شبّاكي مرخاةٌ..

ربَّ طَريقْ

يتنصَّتُ لي ، يترصَّدُ بي خلفَ الشبّاكِ ، وأثوابي

كمفزِّعِ بستانٍ ، سودُ

أعطاها البابُ الموصودُ

نَفَساً، ذرَّ بها حسّاً ، فَتَكادُ تفيقْ

من ذاك الموتِ ، وتهمسُ بي ، والصمتُ عميقْ :

{ لم يبقَ صديقْ

ليزورَكَ في الليلِ الكابي

والغرفةُ موصدَةُ البابِ } .

ولبستُ ثيابيَ في الوهمِ

وسريتُ : ستلقاني أُمّي

في تلكَ المقبرةِ الثكلى ،

ستقولُ : { أَتَقْتحمُ الليلا

من دونِ رفيقْ ؟

جوعانُ ؟ أتأكلُ من زادي :

خرّوبِ المقبرةِ الصّادي ؟

والماءُ ستنهلُهُ نَهلا

من صدرِ الأرضِ :

ألا ترمي

أثوابَكَ ؟ والبَسْ من كَفَني ،

لم يبلَ على مرِّ الزمنِ ؛

عزريل الحائكُ ، إذْ يبلى ،

يرفوهُ . تعالَ ونمْ عندي :

أعددتُ فراشاً في لَحدي

لكَ يا أغلى من أشواقي

للشمسِ ، لأمواهِ النهرِ

كَسْلى تجري ،

لهُتافِ الديكِ إذا دوّى في الآفاقِ

في يومِ الحشرِ } .

سَآخِذُ دربي في الوهمِ

وأسيرُ فتلقاني أُمّي .

* الخَرّوب : شجر مثمرٌ من الفصيلة القرنيَّة ، ثماره قرون تؤكَل وتُعلفها الماشية.

*الصادي : من صَديَ صَدىً : اشتدَّ عطشه . فهو صادٍ . والهامشان من كاتب المقال..


لندن.. 27-2-1963

ديوان شناشيل ابنة الجلبي





هذه القصيدة شغل كلاسيكيّ نادرٌ في الشعر العربيّ الحديث .

كلاسيكيٌّ لأنَّ البناء فيه يحتّمُ ربطاً عضوياً بين الأبيات ، فلا يأتي بيتٌ بدون تحفيز مسبّق من البيت الذي يسبقه،أوبلا تهيئة له ، وهو ما اعتدناه في الشغل الكلاسيكيّ . ونادرٌ لأنَّ الشعر الحديث قد لا يتطلّبُ صرامةً ودقّةً كاللتين تتحكمان بهذه القصيدة..بل انّ بعضهم كان قد فهم الشعر الحديث تحرراً أو تخلّصاُ منهما ، تحديداً.

وقد شاع الحديث عن أهمية هذه القصيدة في الأوساط الأدبية العراقية في نهاية السبعينيّات ، وحين كتبتُ عنها للمرة الأولى في ذلك الوقت ، اكتشفتُ أنْ لا أحدَ من العراقيين أو من العرب كان قد أشار إليها قبلاً..لا في الدراسات النقدية التي كتبتْ عن بدر ، ولا في الكتب التي اختارت قصائد له.

وهي الآن قصيدة معروفة على نطاقٍ واسع ، بل انَّ أحد دارسي المسرح في أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد ، أخبرني بعد خروجه من العراق بأنَّ طلبة قسم المسرح قد درسوها في التسعينيات.. وهو أمرٌ يبعث على التفاؤل حقاً في انّ الشعر الرائع لا يهمَلُ لفترةٍ طويلةٍ من الوقت ، ثمة دائماً من يأتي ويستخرجه من بين الركام.

كتب بدر قصيدته هذه قبل عشرين شهراً من موته ، وهي تنتمي زمنياً وشعرياً الى تلك المرحلة التي كان يكتب فيها شعره وهوعلى فراش المرض.

وقد كتبها في لندن ، عندما كان راقداً في أحد مستشفياتها ، وعندما كان يكتب قصيدةً ، وربما أكثر من قصيدة ، كلّ يوم. بل انه في يوم27-2-1963 نفسه ، تاريخ قصيدة " في الليل " كتب قصيدة أخرى ، أيضاً ، اسمها : " وغداً سألقاها " .

وهذه كتابة جديدة عن القصيدة لا تشبه ما كتبت عنها سابقاً قبل ما يقرب من ثلاثة وعشرين عاما .
أبدأ الحديث برسم المشهد الأوّل الذي يبدأ بـ " الغرفة موصدة البابِ " وينتهي بـ "والغرفة موصدة البابِ " أيضاً :

غرفة موصدة الباب ، ليس فيها أحد غير الشاعر، صمت عميق وستائر الشباك مسدلة.
يفكّر الشاعر بإمكانية وجود طريق خلف الشباك ، والتفكير هنا هو تمنٍّ ، ثمة أثوابه المعلقة على الشماعة كما نتكهن ، التي تشبه مفزّع البستان ، وهي سود أيضاً ، ممّا يجعلنا نتكهن أيضاً بأنَّ الغرفة كانت مطفأة الأضواء . يحتاج الشاعر أو لنقل القصيدة كما في المسرح إلى أحدٍ يقول شيئاً حتّى ينمو الفعل الدراميّ ، فلماذا لا تكون الأثواب التي أصبحت مفزعاً يشبه الكائن الآدميّ.لكنها أثوابٌ ، والفعل الكلاسيكيّ يحتاج إلى تبرير ، وإلى إقناع . يرى الشاعر انَّ الباب الموصود هو الذي أعطى الأثواب حياة ، نفساً وحساً ، فنفكر في انّ هواجس الشاعر المريض الراقد على السرير هي التي تخيلت هذا الخلق الربانيّ ، الذي سيجعلها تفيق من موتها ، أي جمادها ، فتهمس بالشاعر في الصمت العميق ، وهو ما كان ينشده الفعل الدراميّ ، للمضيّ عميقاً في نموّه :

"لم يبق صديقْ

ليزورَكَ في الليلِ الكابي

والغرفة موصدةُ البابِ ".

إذن فقد تكوّن المشهد الأوّل بصرامة ودقة متناهيتين..

بابٌ مغلق وصمتٌ عميق وستائر مسدلة وليل ، ولا أحد غير الأثواب التي لم تصبح بشراً ، انما ما يشبه البشر : مفزّع البستان . والشاعر يقول في دليل على البناء الكلاسيكيّ الصارم " تكاد"تفيقُ ، فلم يقل انها أفاقت بل " تكاد ".. بعد أن وهبها غلق الباب حياة : نفساً وحساً ، كما رأت رؤى الشاعر وهواجسه.

إذن بعد أن رسم الشاعرُ المشهدَ الأول رسماً دقيقاً،احتاج إلى محدّث ، وتذكّروا اننا في حضرة البناء الكلاسيكيّ الذي لا يجوّز لنا خلقَ أفعالٍ بلا إقناع ، فلم يكن أمامه غير محدّث واحد في الغرفة : الأثواب المعلقة على الشماعة،التي ستتراءى له مفزّعاً..أو محدثاً ، وهو نذير ومذكّر في مقطع :" لم يبق صديقْ.."الخ

ستكون القصيدة أمام فعلين لا ثالث لهما : امّا أن ينهي الشاعر قصيدته هنا وهي بعد غير مكتملة. أو انّ مقطع المحدّث انّما هو تحفيز يحتاجه الشغل الكلاسيكيّ عادة لنموّ الفعل الدراميّ ، لشقّ طريق آخرَ فيه :

"ولبستُ ثيابي في الوهمِ

وسريتُ : ستلقاني أُمّي"

لدينا هنا علامتان على البناء الصارم ، وعلى نموّ الفعل الدراميّ شيئاً فشيئاً.العلامة الأولى هي انّ الشاعر، قد خرج من الغرفة بشبه الجملة " في الوهم" فهو يلبس ثيابه " في الوهم "، أيْ انه، بعدُ ، في السرير، وحينما خرج ، فإنما قد خرج في الوهم . وشبه الجملة : "في الوهم" هي عنصر أساسٌ في البناء الكليّ للقصيدة كما سنرى . والعلامة الثانية : هي البيت الثاني ، ولننتبه إلى الفعلين الماضيين : لبسَ ، وسرى الذي يُقرَنُ عادة بالسير ليلاً..لأنَّ نهاية القصيدة ستخالفهما بتغيير زمن الفعل.

استخدام الزمن الماضي هو إيحاءٌ لنا بأنّ الفعل الدراميّ ، ونستطيع أن نسميه هنا بـ " الفعل الشعريّ " طالما نحن نتحدث عن شغلٍ كلاسيكيّ..، يتحقق في الوهم. وأمّا " الأم " فإنّ أيّ تحليل سيكولوجيّ مبتدىء ، سيقرّ بحتمية ورودها في قصيدة اِبنٍ غريبٍ ، ووحيد في مشهدِ مريضٍ راقدٍ في المستشفى.
وكان الشاعر قد مهّد لورودها أيضاً بـ " لم يبق صديقْ / ليزورَكَ في الليل الكابي " ، والذهاب إلى الأم ، هو في علم النفس فعل عودة ، غريزيّ ، وهو واضح المعنى لايحتاج منّا إلى أيّ تفسير. إذن سيكون الخروج قد بُرِّرَ بيتاً فبيتاً وبتدرّج منذ البيت الأوّل.

لكنّ الأمّ ميتة ، وهي الآن في مقبرة.أمرٌ لا يفوت الشاعر أن يشير إليه :

"وسريتُ : ستلقاني أمّي

في تلكَ المقبرةِ الثكلى ،"

وأن تكون الأمّ في مقبرة ، ويريد الشاعر أن يحقق حلماً بلقائها هو أمرٌ سيتخطّى فعل العودة إلى الأم ، إلى تمني الموت معها. وهو معنى تتمركز عليه القصيدة في مشهدها الثاني.

وفي غمرة لقاء مربكٍ ، كلقاء شاعر مريض بأمه وإن كان في الوهم ، لا ينسى السيّاب صرامة البناء الكلاسيكيّ ، فيختار لأداء أمه سين الإستقبال..للمحافظة على الإيحاء السابق الذي تحقق بإستخدام الفعل الماضي :

ستقول : " أتقتحمُ الليلا

من دون رفيق ْ ؟

ولننتبه الى القوسين الصغيرين اللذين وضعهما الشاعر لقولها ، ولن يغلقا بقوسين صغيرين آخرين حتّى ينتهي كلام الأم وحتى تكون القصيدة قد شارفت على نهايتها ، بل حتى تكون قد انتهت فعلياً ، لكن الشاعر كما سنرى ، شاء أن يجعل لها نهاية أخرى قد تكون مما كان العرب يسمونه بالإعجاز الشعريّ.

إذن سيكون الفعل الماضي في " ولبستُ ثيابي في الوهمِ / وسريتُ ستلقاني أمي " يشبه في إيحائه الشعريّ هنا فعل المستقبل حامل سين الإستقبال في " ستقول ، وفي غيره من الأفعال المضارعة التي تحمل سين الإستقبال أوالتي لا تحملها ، الواردة في صوت الأم " ، أو حتى في " ستلقاني أمي " في نصف جملة بنيتْ ابتداءً بالفعل الماضي ، بعد الخروج من الغرفة بشبه الجملة : "في الوهم " .
لننتبه أيضاً بأنّ كلام الأمّ عن اقتحام الليل من دون رفيق ، انما يبدأ مردِّداً بصيغة أخرى كلامَ المحدّث ، المذكّر ، مفزّع البستان ، الأثواب المعلقة على الشماعة :

" لم يبقَ صديقْ

ليزوركَ في الليل الكابي "

ومثلما يهيّىء الصوتان المذكوران رسم المشهد الثاني ، معاً ، فإنّ في نبرة صوت الأمّ ما يتخطّى هذا إلى تمنيها هي نفسها أن يأتي ابنها الى القبر ، فتحبّبَ له ، في المشهد الثاني كلّه ، عالمها هناك :

"جوعانُ ؟ أتأكلُ من زادي

خرّوبِ المقبرةِ الصّادي ؟ "

تأخذ القصيدة هنا مساراً آخر إذن ، تتحدث الأم عن ماء سيُنهَلُ من صدر الأرض ، ثمّ تدعو اِبنها إلى رمي ثوبه ، ولبس شيءٍ من كفنها الذي إذا بليَ فإنّ عزريل سيرفوه : تعال ونمْ عندي ، تقول الأمّ ، وكأيّة أمّ تعدّ فراشاً لولدها ، تقول :

" أعددتُ فراشاً في لحدي

لكَ يا أغلى من أشواقي"

هذا عالمٌ آخر" الموت " مرويّ هنا بلسان الأمّ ، يعاكسُ عالم الشاعر المريض " الحياة " في غرفة المستشفى.ومثلما تمنّى هو نفسه أن يلقى أمه فإنها لم تخيّب آماله ، بل ستستقبله في عالمها المبهج حين نقرأها تقول:

" لك يا أغلى من أشواقي

للشمسِ ، لأمواه النّهرِ

كسلى تجري ،

لهتاف الديكِ إذا دوّى في الآفاقِ

في يوم الحشرِ " .

أهي مصادفة أن ينتهي كلام الأمّ الميتة بيوم الحشر وهي تتحدث عن عالمها المبهج ؟
انَّ الصرامة والدقة اللتين تتحكمان بهذه القصيدة بناءً ومعنىً ، تجعلاننا نحار في أمر بدر حقاً وهو المريض الذي كان يكتبُ شعراً كلّ يوم. وقد كتب قصيدته ، موضوع كتابتنا هذه ، بعد قصيدتين معروفتين ، بعد "إرم ذات العماد" بستة أيام ، وبعد "شناشيل ابنة الجلبي" بثلاثة ايام ليس إلاّ.
ستكون القصيدة قد انتهت ، خيرَ نهاية يريدها شاعر ماهر، ذو موهبة كبيرة.

لكنَّ بدراً شاء أن يضع نهاية أخرى ، ماذا لو قلنا شاءت القصيدة ؟، مستخدماً هذه المرة سين الإستقبال في صوته لأوّل مرة :

"سآخذُ دربي في الوهمِ

وأسيرُ فتلقاني أمّي "

هذا قرارٌ يقرره الشاعر ، سيكون في الوهم أيضاً . لكنه قرارٌ، يختلف عن التمني الأوّل حين استخدم الفعلَ الماضي : "ولبستُ ثيابي في الوهمِ" ، انه الآن ذاهب لا محالة ، واهباَ شبه الجملة : "في الوهمِ" إمكاناتٍ عدّة للنموّ، وللإيحاء ، بعد أن غير من زمن الفعل . ولعمري انّ ما فعله بدر في نهاية هذه القصيدة قد يكون هو الإعجاز الشعريّ ، فبهِ ميّزنا سيره الأوّل ، الذي وإن جاء فعلاً ماضياً ، فقد بقي تخيلاً ليس إلاّ . لكننا الآن بعد إستخدامه سين الإستقبال سنكون أمام فعل قرار وإن يكن في الوهم.
وهذا انتباه معجز قد لا يخطرعلى بال شاعر غير عليل، انتباه حقّق به بدر مستوى فنيّا راقياً لقصيدته. ستتساءلون : كيف يمكن أن يكون الفعل الماضي فعلاً غير متحقق ، بينما يكون الفعل المضارع حامل سين الإستقبال في نهاية القصيدة فعلاً متحققاً ؟ والجواب : انَّ هذه القصيدة ، القصيرة ، البسيطة كما تبدو للوهلة الأولى تثير الكثير من الأسئلة المتعلقة بالبناء والمعنى ، حتى لتتخيلها ، وهي كذلك ، أكبر من حجمها كثيراً.

ما حاولت أن أفعله هنا ، هو كشف شغلٍ كلاسيكيّ شاقّ لشاعر مؤسس في الشعر الحديث . وما حاولت أن أفعله هنا هو أن أحبِّبَ للقراء هذا الشغل ، وأن نعرف جميعاً بأنَّ كتابة الشعر الحديث لاتعني في أية حال من الأحوال ، القفزعلى الموروث المعرفيّ والجماليّ للفنّ الشعريّ.

هذه هي قصيدة "في الليل" . استثناء شعريّ في الشعر العربيّ الحديث ، جاء كلاسيكياً بناءً ومعنىً ..
ثامر داود غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-13-2008, 11:32 AM   #5
ثامر داود
ward2u
ward2u
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
الدولة: العراق
المشاركات: 785
ثامر داود is on a distinguished road
افتراضي

المسيح قبل الصلب

بعدما أنزلوني ، سمعت الرياح
في نواح طويل تسف النحيل
و الخطى وهي تنأى . إذن فالجراح
و الصليب الذي سمروني عليه طوال الأصيل
لم تمتني . و أنصت : كان العويل
يعبر السهل بيني و بين المدينه
مثل حبل يشد السفينه
وهي تهوي إلى القاع . كان النواح
مثل خيط من النور بين الصباح
.و الدجى ، في سماء الشتاء الحزينه
.ثم تغفو ، على ما تحس ، المدينه
حينما يزهر التوت و البرتقال
حين تمتد جيكور حتى حدود الخيال
حين تخضر عشباً يغني شذاها
،و الشموس التي أرضعتها سناها
،حين يخضر حتى دجاها
.يلمس الدفء قلبي ، فيجري دمي في ثراها
قلبي الشمس إذا تنبض الشمس نورا
،قلبي الأرض ، تنبض قمحا ، و زهرا ، وماء نميرا
قلبي الماء ، قلبي هو السنبل
.موته البعث ، يحيا بمن يأكل
في العجين الذي يستدير
ويدحى كنهد صغير ، كثدي الحياه
.مت بالنار : أحرقت ظلماء طيني ن فظل الإله
.كنت بدء ، وفي البدء كان الفقير
،مت ، كي يؤكل الخبز باسمي، لكي يزرعوني مع الموسم
كم حياة سأحيا : ففي كل حفره
،صرت مستقبلا ، صرت بذره
صرت جيلا من الناس ، في كل قلب دمي
.قطرة منه أو بعض قطره
..هكذا عدت ، فاصفر لما رآني يهوذا
فقد كنت صره
كان ظلا ، قد اسود مني ، وتمثال فكره
جمدت فيه واستلت الروح منها
خاف أن تفضح الموت في ماء عينيه
عيناه صخره
راح فيها يواري عن الناس قبره
.خاف من دفئها ، من محال عليه ، فخبر عنها
- " أنت ؟ أم ذاك ظلي قد ابيض وارفض نورا؟
.أنت من عالم الموت تسعى ؟ هو الموت مره
" هكذا قال آباؤنا ، هكذا علمونا ، فهل كان زورا ؟
.ذاك ما ظن لما رآني ، وقالته نظره
قدم تعو ، قدم ، قدم
القبر يكاد بوقع خطاها ينهدم
أترى جاءوا ؟ من غيرهم ؟
قدم .. قدم .. قدم
،ألقيت الصخر على صدري
.أو ما صلبوني أمس ؟ .. فها أنا في قبر
فليأتوا - إني في قبري
من يدري أني .. ؟ من يدري ؟
ورفاق يهوذا ؟ من سيصدق ما زعموا ؟
..قدم
.قدم
: ها أنا الآن عريان في قبري المظلم
،كنت بالأمس ألتف كالظن ، البرعم
،تحت أكفاني الثلج ، يخضل زهر الدم
كنت كالظل بين الدجى و النهار
.ثم فجرت نفسي كنوزا فعريتها كالثمار
حين فصلت جيبي قماطا وكمي دثار
حين دفأت يوما بلحمي عظام الصغار
حين عريت جرحي ، وضمدت جرحا سواه
.حطم السور بيني و بين الإله
فاجأ الجند حتى جراحي ودقات قلبي
فاجأوا كل ما ليس موتا و إن كان في مقبره
فاجأوني كما فاجأ النخلة المثمره
.سرب جوعى من الطير في قرية مقفره
أعين البندقيات يأكل دربي
شرع تحلم النار فيها بصلبي
إن تكن من حديد ونار ، فأحداق شعبي
من ضياء السموات ، من ذكريا وحب
تحمل العبء عني فيندى صليبي ، فما أصغره
.ذلك الموت ، موتي ، وما أكبره
بعد أن سمروني و ألقيت عيني نحو المدينه
: كدت لا أعرف السهل و السور و المقبره
،كان شئ ، مدى ما ترى العين
،كالغابة المزهره
.كان ، في كل مرمى ، صليب و أم حزينه
قدس الرب
.هذا مخاض المدينه




إنشودة المطر

عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحَرْ ،
أو شُرفتان راح ينأى عنهما القمر .
عيناك حين تبسمان تورق الكرومْ
وترقص الأضواء ... كالأقمار في نهَرْ
يرجّه المجذاف وهْناً ساعة السَّحَر
كأنما تنبض في غوريهما ، النّجومْ ...
وتغرقان في ضبابٍ من أسىً شفيفْ
كالبحر سرَّح اليدين فوقه المساء ،
دفء الشتاء فيه وارتعاشة الخريف ،
والموت ، والميلاد ، والظلام ، والضياء ؛
فتستفيق ملء روحي ، رعشة البكاء
ونشوةٌ وحشيَّةٌ تعانق السماء
كنشوة الطفل إِذا خاف من القمر !
كأن أقواس السحاب تشرب الغيومْ
وقطرةً فقطرةً تذوب في المطر ...
وكركر الأطفالُ في عرائش الكروم ،
ودغدغت صمت العصافير على الشجر
أنشودةُ المطر ...
مطر ...
مطر ...
مطر ...
تثاءب المساء ، والغيومُ ما تزالْ
تسحُّ ما تسحّ من دموعها الثقالْ .
كأنِّ طفلاً بات يهذي قبل أن ينام :
بأنَّ أمّه – التي أفاق منذ عامْ
فلم يجدها ، ثمَّ حين لجّ في السؤال
قالوا له : "بعد غدٍ تعودْ .. "
لا بدَّ أن تعودْ
وإِنْ تهامس الرفاق أنهَّا هناكْ
في جانب التلّ تنام نومة اللّحودْ
تسفّ من ترابها وتشرب المطر ؛
كأن صياداً حزيناً يجمع الشِّباك
ويلعن المياه والقَدَر
وينثر الغناء حيث يأفل القمرْ .
مطر ..
مطر ..
أتعلمين أيَّ حُزْنٍ يبعث المطر ؟
وكيف تنشج المزاريب إِذا انهمر ؟
وكيف يشعر الوحيد فيه بالضّياع ؟
بلا انتهاء – كالدَّم المراق ، كالجياع ،
كالحبّ ، كالأطفال ، كالموتى – هو المطر !
ومقلتاك بي تطيفان مع المطر
وعبر أمواج الخليج تمسح البروقْ
سواحلَ العراق بالنجوم والمحار ،
كأنها تهمّ بالشروق
فيسحب الليل عليها من دمٍ دثارْ .
أَصيح بالخليج : " يا خليجْ
يا واهب اللؤلؤ ، والمحار ، والرّدى ! "
فيرجعُ الصّدى
كأنّه النشيجْ :
" يا خليج
يا واهب المحار والردى .. "
أكاد أسمع العراق يذْخرُ الرعودْ
ويخزن البروق في السّهول والجبالْ ،
حتى إِذا ما فضَّ عنها ختمها الرّجالْ
لم تترك الرياح من ثمودْ
في الوادِ من أثرْ .
أكاد أسمع النخيل يشربُ المطر
وأسمع القرى تئنّ ، والمهاجرين
يصارعون بالمجاذيف وبالقلوع ،
عواصف الخليج ، والرعود ، منشدين :
" مطر ...
مطر ...
مطر ...
وفي العراق جوعْ
وينثر الغلالَ فيه موسم الحصادْ
لتشبع الغربان والجراد
وتطحن الشّوان والحجر
رحىً تدور في الحقول ... حولها بشرْ
مطر ...
مطر ...
مطر ...
وكم ذرفنا ليلة الرحيل ، من دموعْ
ثم اعتللنا – خوف أن نلامَ – بالمطر ...
مطر ...
مطر ...
ومنذ أنْ كنَّا صغاراً ، كانت السماء
تغيمُ في الشتاء
ويهطل المطر ،
وكلَّ عام – حين يعشب الثرى – نجوعْ
ما مرَّ عامٌ والعراق ليس فيه جوعْ .
مطر ...
مطر ...
مطر ...
في كل قطرة من المطر
حمراءُ أو صفراء من أجنَّة الزَّهَرْ .
وكلّ دمعةٍ من الجياع والعراة
وكلّ قطرة تراق من دم العبيدْ
فهي ابتسامٌ في انتظار مبسم جديد
أو حُلمةٌ تورَّدتْ على فم الوليدْ
في عالم الغد الفتيّ ، واهب الحياة !
مطر ...
مطر ...
مطر ...
سيُعشبُ العراق بالمطر ... "
أصيح بالخليج : " يا خليج ..
يا واهب اللؤلؤ ، والمحار ، والردى ! "
فيرجع الصدى
كأنَّه النشيج :
" يا خليج
يا واهب المحار والردى . "
وينثر الخليج من هِباته الكثارْ ،
على الرمال ، : رغوه الأُجاجَ ، والمحار
وما تبقّى من عظام بائسٍ غريق
من المهاجرين ظلّ يشرب الردى
من لجَّة الخليج والقرار ،
وفي العراق ألف أفعى تشرب الرَّحيقْ
من زهرة يربُّها الفرات بالنَّدى .
وأسمع الصدى
يرنّ في الخليج
" مطر ..
مطر ..
مطر ..
في كلّ قطرة من المطرْ
حمراء أو صفراء من أجنَّةِ الزَّهَرْ .
وكلّ دمعة من الجياع والعراة
وكلّ قطرةٍ تراق من دم العبيدْ
فهي ابتسامٌ في انتظار مبسمٍ جديد
أو حُلمةٌ تورَّدت على فم الوليدْ
في عالم الغد الفتيّ ، واهب الحياة . "
ويهطل المطرْ ..




غريب على الخليج

لريح تلهث بالهجيرة، كالجثام، على الأصيل
و على القلوع تظل تطوى أو تنشر للرحيل
زحم الخليج بهن مكتدحون جوابو بحار
.من كل حاف نصف عاري
و على الرمال ، على الخليج
جلس الغريب، يسرح البصر المحير في الخليج
: و يهد أعمدة الضياء بما يصعد من نشيج
أعلى من العباب يهدر رغوه و من الضجيج"
، صوت تفجر في قرارة نفسي الثكلى : عراق
.كالمد يصعد ، كالسحابة ، كالدموع إلى العيون
الريح تصرخ بي : عراق
و الموج يعول بي : عراق ، عراق ، ليس سوى عراق ‍‍
البحر أوسع ما يكون و أنت أبعد ما يكون
و البحر دونك يا عراق
.. بالأمس حين مررت بالمقهى ، سمعتك يا عراق
وكنت دورة أسطوانه
هي دورة الأفلاك في عمري، تكور لي زمانه
.في لحظتين من الأمان ، و إن تكن فقدت مكانه
هي وجه أمي في الظلام
، وصوتها، يتزلقان مع الرؤى حتى أنام
و هي النخيل أخاف منه إذا ادلهم مع الغروب
فاكتظ بالأشباح تخطف كل طفل لا يؤوب
،من الدروب وهي المفلية العجوز وما توشوش عن (حزام)
وكيف شق القبر عنه أمام عفراء الجميلة
.فاحتازها .. إلا جديله
زهراء أنت .. أتذكرين
تنورنا الوهاج تزحمه أكف المصطلين ؟
وحديث عمتي الخفيض عن الملوك الغابرين ؟
ووراء باب كالقضاء
قد أوصدته على النساء
أبد تطاع بما تشاء، لأنها أيدي الرجال
.كان الرجال يعربدون ويسمرون بلا كلال
أفتذكرين ؟ أتذكرين ؟
سعداء كنا قانعين
. بذلك القصص الحزين لأنه قصص النساء
،حشد من الحيوات و الأزمان، كنا عنفوانه
.كنا مداريه اللذين ينام بينهما كيانه
أفليس ذاك سوى هباء ؟
حلم ودورة أسطوانه ؟
ان كان هذا كل ما يبقى فأين هو العزاء ؟
،أحببت فيك عراق روحي أو حببتك أنت فيه
يا أنتما - مصباح روحي أنتما - و أتى المساء
.و الليل أطبق ، فلتشعا في دجاه فلا أتيه
لو جئت في البلد الغريب إلى ما كمل اللقاء
الملتقى بك و العراق على يدي .. هو اللقاء
شوق يخض دمي إليه ، كأن كل دمي اشتهاء
جوع إليه .. كجوع كل دم الغريق إلى الهواء
شوق الجنين إذا اشرأب من الظلام إلى الولاده
إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون
أيخون إنسان بلاده؟
إن خان معنى أن يكون ، فكيف يمكن أن يكون ؟
الشمس أجمل في بلادي من سواها ، و الظلام
.حتى الظلام - هناك أجمل ، فهو يحتضن العراق
واحسرتاه ، متى أنام
فأحس أن على الوساده
ليلك الصيفي طلا فيه عطرك يا عراق ؟
بين القرى المتهيبات خطاي و المدن الغريبة
،غنيت تربتك الحبيبة
وحملتها فأنا المسيح يجر في المنفى صليبه ،
فسمعت وقع خطى الجياع تسير ، تدمي من عثار
.فتذر في عيني ، منك ومن مناسمها ، غبار
ما زلت اضرب مترب القدمين أشعث ، في الدروب
،تحت الشموس الأجنبيه
متخافق الأطمار ، أبسط بالسؤال يدا نديه
صفراء من ذل و حمى : ذل شحاذ غريب
،بين العيون الأجنبيه
بين احتقار ، و انتهار ، و ازورار .. أو ( خطيه)
(و الموت أهون من (خطيه
من ذلك الإشفاق تعصره العيون الأجنبيه
قطرات ماء ..معدنيه
،فلتنطفئ ، يا أنت ، يا قطرات ، يا دم ، يا .. نقود
يا ريح ، يا إبرا تخيط لي الشراع ، متى أعود
إلى العراق ؟ متى أعود ؟
يا لمعة الأمواج رنحهن مجداف يرود
.بي الخليج ، ويا كواكبه الكبيرة .. يا نقود
ليت السفائن لا تقاظي راكبيها من سفار
أو ليت أن الأرض كالأفق العريض ، بلا بحار
ما زلت أحسب يا نقود ، أعدكن و استزيد ،
ما زلت أنقض ، يا نقود ، بكن من مدد اغترابي
ما زلت أوقد بالتماعتكن نافذتي و بابي
في الضفة الأخرى هناك . فحدثيني يا نقود
متى أعود ، متى أعود ؟
أتراه يأزف ، قبل موتي ، ذلك اليوم السعيد ؟
سأفيق في ذاك الصباح ، و في السماء من السحاب
،كسر، وفي النسمات برد مشبع بعطور آب
و أزيح بالثوباء بقيا من نعاسي كالحجاب
:من الحرير ، يشف عما لا يبين وما يبين
.عما نسيت وكدت لا أنسى ، وشك في يقين
ويضئ لي _ وأنا أمد يدي لألبس من ثيابي-
ما كنت ابحث عنه في عتمات نفسي من جواب
لم يملأ الفرح الخفي شعاب نفسي كالضباب ؟
اليوم _ و اندفق السرور علي يفجأني- أعود
واحسرتاه .. فلن أعود إلى العراق
وهل يعود
من كان تعوزه النقود ؟ وكيف تدخر النقود
و أنت تأكل إذ تجوع ؟ و أنت تنفق ما تجود
به الكرام ، على الطعام ؟
لتبكين على العراق
فما لديك سوى الدموع
.وسوى انتظارك ، دون جدوى ، للرياح وللقلوع




أساطير

أساطير من حشرجات الزمان
نسيج اليد البالية
رواها ظلام نم الهاوية
وغنى بها ميتان
أساطير كالبيد ماج سراب
عليها وشقت بقايا شهاب
وأبصرت فيها بريق النضار
يلاقي سدى من ظلال الرغيف
وأبصرتني والستار الكثيف
يواريك عني فضاع انتظار
وخابت منى وانتهى عاشقان

**

أساطير مثل المدى القاسيات
تلاوينها من دم البائسين
فكم أومضت في عيون الطغاة
بما حملت من غبار السنين
يقولون : وحي السماء
فلو يسمع الأنبياء
لما قهقهت ظلمة الهاوية
بأسطورة بالية
تجر القرون
بمركبة من لظى في جنون
لظى كالجنون !

**

وهذا الغرام اللجوج
أيريد من لمسة باردة
على اصبع من خيال الثلوج
وأسطورة بائدة
وعرافة أطلقت في الرمال
بقايا سؤال
وعينين تستطلعان الغيوب
وتستشرقان الدروب
فكان ابتهال وكانت صلاة
تغفر وجه الآله
وتحنو عليه انطباق الشفاة

**

تعالي فما زال نجم المساء
يذيب السنا في النهار الغريق
ويغشى سكون الطريق
بلونين من ومضة واطفاء
وهمس الهولء الثقيل
بدفء الشذى واكتئاب الغروب
يذكرني بالرحيل
شراع خلال التحايا يذوب
وكف تلوح يا للعذاب

**

تعالي فما زال لون السحاب
حزينا .. يذكرني بالرحيل
رحيل
تعالي تعالي نذيب الزمان
وساعة في عناق طويل
ونصبح بالأرجوان شراعا وراء المدى

وننسى الغدا
على صدرك الدافئ العاطر
كتهويمة الشاعر
تعالي فملء الفضاء
صدى هامس باللقاء
يوسوس دون انتهاء

**

على مقلتيك انتظار بعيد
وشيء يؤيد
ظلال
يغمغم في جانبيها سؤال
وشوق حزين
يريد اعتصار السراب
وتمزيق أسطورة الأولين
فيا للعذاب
جناحان خلف الحجاب
شراع ..
وغمغمة بالوداع !!
ثامر داود غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-13-2008, 12:00 PM   #6
ثامر داود
ward2u
ward2u
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
الدولة: العراق
المشاركات: 785
ثامر داود is on a distinguished road
افتراضي

وفى مرحلة مبكرة بدأ ينظم الشعر باللهجة العراقية الدارجة في وصف الطبيعة أو في السخرية من زملائه، فجذب بذلك انتباه معلميه الذين شجعوه على النظم باللغة الفصيحة، وكانت العطلة الصيفية التي يقضيها في جيكور مجلبة لسروره وسعادته إذ كان بيت العبيد الذي غدا الآن مهجورا، المكان المحبب للعبهم برغم ما يردده الصبية وخيالهم الفسيح عن الأشباح التي تقطنه
وكانت محبة جدته أمينة تمنحه العزاء والطمأنينة والعطف غير انه سرعان ما فقدها إذ توفيت في أيلول 1942 ليكتب في رثائها قصيدة

جدتي من أبث بعدك شكواي؟
طواني الأسى وقل معيني
أنت يا من فتحت قلبك بالأمس لحبي
أوصدت قبرك دوني
فقليل على أن اذرف الدمع
ويقضى على طول أنيني

وتفاقم الأمر إذ باع جده ما تبقى من أملاكه مرغما، إذ وقع صغار الملاك ضحية للمالكين الكبار و أصحاب مكابس التمر والتجار والمرابين وكان بدر يشعر بالظلم واستغلال القوى للضعيف وكانت طبيعته الرومانسية تصور له مجتمعا مثاليا يعيش فيه الناس متساوين يتعاون بعضهم مع بعض بسلام

هذه النظرة المثالية عمقها شعور بدر بأن أسرته كانت عرضه للظلم والاستغلال فضلا عما لحق به إذ فقد أمه وخسر أباه و أضاع جدته وسلبت حبيبته منه وكان قد بدأ يدرك انه لم يكن وسيما هذا كله احتشد في أعماق روحه ليندلع فيما بعد مثل حمم بركان هائج تدفق شعرا ملتهبا

في مدينة بغداد صيف 1943 أنهى بدر دراسته الثانوية، وقـبل في دار المعلمين العالية ببغداد (كلية التربية) وكان في السابعة عشرة من عمره ليقضى فيها أربعة أعوام

كتب السياب خلال تلك الفترة قصائد مترعة بالحنين إلى القرية والى الراعية هالة التي احبها بعد زواج وفـيقة ويكتب قصائده العمودية أغنية السلوان و تحية القرية.. الخ

ويكسب في بغداد ومقاهيها صداقة بعض من أدبائها وينشر له ناجي العبيدي قصيدة لبدر في جريدته الاتحاد هي أول قصيدة ينشرها بدر في حياته

تكونت في دار المعلمين العالية في السنة الدراسية 1944-1945 جماعة أسمت نفسها أخوان عبقر كانت تقيم المواسم و الحفلات الشعرية حيث ظهرت مواهب الشعراء الشبان، ومن الطبيعي تطرق أولئك إلى أغراض الشعر بحرية وانطلاق، بعد أن وجدوا من عميد الدار الدكتور متى عقراوي، أول عميد رئيس لجامعة بغداد و من الأساتذة العراقيين والمصريين تشجيعا

كان السياب من أعضاء الجماعة، كما كانت الشاعرة نازك الملائكة من أعضائها أيضا، بالإضافة إلى شاعرين يعتبران المؤسسين للجماعة هما الأستاذان كمال الجبوري و الدكتور المطلبي، ولم يكن من أعضائها شعراء آخرون منهم الأستاذ حازم سعيد من مواليد 1924و أحمد الفخري وعاتكة وهبي الخزرجي

ويتعرف بدر على مقاهي بغداد الأدبية ومجالسها مثل مقهى الزهاوي ومـقـهى ا لبلدية و مقهى البرازيلية وغيرها يرتادها مع مجموعة من الشعراء الذين غدوا فيما بعد (رواد حركة الشعر الحر) مثل بلند الحيدري وعبد الرزاق عبد الواحد ورشيد ياسين وسليمان العيسى وعبد الوهاب البياتي وغيرهم

ويلتقي امرأة يحبها وهي لا تبادله هذا الشعور فيكتب لها

أبي.. منه جردتني النساء
وأمي.. طواها الردى المعجل
ومالي من الدهر إلا رضاك
فرحماك فالدهر لا يعدل

ويكتب لها بعد عشرين عاما- وكانت تكبره عمرا- يقول

وتلك.. لأنها في العمر اكبر
أم لأن الحسن أغراها
بأني غير كفء
خلفتني كلما شرب الندى ورق
وفتح برعم مثلتها وشممت رياها؟

غلام ضاو نحيل كأنه قصبة، ركب رأسه المستدير كحبة الحنظل، على عنق دقيقة تميل إلى الطول، وعلى جانبي الرأس أذنان كبيرتان، وتحت الجبهة المستعرضة التي تنزل في تحدب متدرج أنف كبير يصرفك عن تأمله العينين الصغيرين العاديتين على جانبيه فم واسع، تبز (الضبة) العليا منه ومن فوقها الشفة بروزا يجعل انطباق الشفتين فوق صفي الأسنان كأنه عما اقتساري

وتنظر مرة أخرى إلى هذا الوجه الحنطي فتدرك أن هناك اضطرابا في التناسب بين الفك السفلي الذي يقف عند الذقن كأنه بقية علامة استفهام مبتورة وبين الوجنتين الناتئتين وكأنهما بدايتان لعلامتي استفهام أخريين قد انزلقتا من موضعيهما الطبيعيين


وتزداد شـهرة بدر الشاعر النحـيل القادم من أقصى قـرى الجنوب، وكانت الفتيات يستعرن الدفتر الذي يضم أشعاره ليقرأنه، فكان يتمنى أن يكون هو الديوان

ديوان شعر ملؤه غزل

بين العذارى بات ينتقل

أنفاسي الحرى تهيم على
صفحاته والحب والأمل
وستلتقي أنفاسهن بها
وترف في جنباته القبل


يقو ل محمود العبطة: عندما أصدر الشاعر ديوانه الأول أزهار ذابلة في 1947 وصدره بقصيدة من الشعر العمودي مطلعها البيت المشهور

ديوان شعر ملوْه غزل
بين العذارى بات ينتقل

اطلع علي الديوان الشاعر التقدمي الأستاذ علي جليل الوردي، فنظم بيتا على السجية وقال للسياب ، كان الأولى لك أن تقول

ديوان شعر ملوْه شعل
بين الطليعة بات ينتقل

وفى قصيدة أخرى يقول

يا ليتني أصبحت ديواني
لأفر من صدر إلى ثان
قد بت من حسد أقول له
يا ليت من تهواك تهواني
ألك الكؤوس ولى ثمالتها
ولك الخلود وأنني فاني؟

ويتعرف السياب على شعر وود زورت وكيتس وشيلى بعد أن انتقل إلى قسم اللغة الإنجليزية ويعجب بشعر اليوت واديث سيتويل ومن ثم يقرأ ترجمة لديوان بودلير أزهار الشر فتستهويه

ويتعرف على فتاة أضحت فيما بعد شاعرة معروفة غير أن عائق الدين يمنع من لقائهما فيصاب بإحباط آخـر، فيجـد سلوته في الانتماء السياسي الذي كانت عاقبته الفـصل لعـام دراسي كامل من كليته ومن ثم سجنه عام 1946 لفترة وجيزة

أطلق سراحه بعدها ليسجن مرة أخرى عام 1948 بعد أن صدرت مجموعته الأولى أزهار ذابلة بمقدمة كتبها روفائيل بطي أحد رواد قصيدة النثر في العراق

عن إحدى دور النشر المصرية عام 1947 تضمنت قصيدة هل كان حبا حاول فيها أن يقوم بتجربة جديدة في الوزن والقافية تجمع بين بحر من البحور ومجزوءاته أي أن التفاعيل ذات النوع الواحد يختلف عددها من بيت إلى آخر

وقد كتب روفائيل بطي مقدمة للديوان قال فيها نجد الشاعر الطليق يحاول جديدا في إحدى قصائده فيأتي بالوزن المختلف وينوع في القافية، محاكيا الشعر الإفرنجي، فعسى أن يمعن في جرأته في هذا المسلك المجدد لعله يوفق إلى أثر في شعر اليوم، فالشكوى صارخة على أن الشعر الربي قد احتفظ بجموده في الطريقة مدة أطول مما كان ينتظر من النهضة الحديثة

إن هذه الباكورة التي قدمها لنا صاحب الديوان تحدثنا عن موهبة فيه، وان كانت روعتها مخبوءة في اثر هذه البراعم - بحيث تضيق أبياته عن روحه المهتاجة وستكشف الأيام عن قوتها، و لا أريد أن أرسم منهجا مستقبلا لهذه القريحة الأصيلة تتفجر وتفيض من غير أن تخضع لحدود و القيود، ولكن سير الشعراء تعلمنا أن ذوي المواهب الناجحين، هم الذين تعبوا كثيرا، وعالجوا نفوسهم بأقصى الجهد، وكافحوا كفاح الأبطال، حتى بلغوا مرتبة الخلود

ويتخرج السياب ويعين مدرسا للغة الإنجليزية في مدرسة ثانوية في مدينة الرمادي التي تبعد عن بغداد تسعين كيلومترا غربا، تقع على نهر الفرات. وظل يرسل منها قصائده إلى الصحف البغدادية تباعا، وفى يناير 1949

ألقي عليه القـبض في جـيكور أثناء عطلة نصف السنة ونقل إلى سجن بغداد واستغني عن خدماته في وزارة المعارف رسميا فى25 يناير 1949 وافرج عنه بكفالة بعد بضعة أسابيع ومنع إداريا من التدريس لمدة عشر سنوات، فعاد إلى قريته يرجو شيئا من الراحة بعد المعاملة القاسية التي لقيها في السجن

ثم توجه إلى البصرة ليعمل (ذواقة) للتمر في شركة التمور العراقية، ثم كاتبا في شركة نفط البصرة، وفى هذه الأيام ذاق مرارة الفقر والظلم والشقاء ولم ينشر شعرا قط، ليعود إلى بغداد يكابد البطالة يجتر نهاراته في مقهى حسن عجمي يتلقى المعونة من أصحابه اكرم الوتري ومحي الدين إسماعيل وخالد الشواف، عمل بعدها مأمورا في مخزن لإحدى شركات تعبيد الطرق في بغـداد

وهكذا ظل يتنقل من عمل يومي إلى آخر، وفى عام 1950 ينشر له الخاقاني مجموعته الثانية (أساطير) بتشجيع من أكرم الوتري مما أعاد إلى روحه هناءتها وأملها بالحياة، وقـد تصدرتها مقدمة لبدر أوضح فيها مفهومه للشعر الجديد الذي يبشر به ويبدأ بدر بكتابة المطولات الشعرية مثل أجنحة السلام و اللعنات وحفـار القـبور و المومس العمياء وغيرها

ويضطرب الوضع السياسي في بغداد عام 1952 ويخشى بدر أن تطاله حملة الاعتقالات فيهرب متخفيا إلى إيران ومنها إلى الكويت بجواز سفر إيراني مزور باسم (على آرتنك) على ظهر سفينة شراعية انطلقت من عبادان في يناير 1953، كتب عنها فيما بعد قصيدة اسمها فرار 1953 وهناك وجد له وظيفة مكتبية في شركة كهرباء الكويت حيث عاش حياة اللاجئ الذي يحن بلا انقطاع إلى أهله ووطنه، وهناك كـتب أروع قصائده غريب على الخليج يقول فيها

مازلت اضرب، مترب القدمين أشعث
في الدروب تحت الشموس الأجنبية
مـتخافق الأطمار
أبسط بالسؤال يدا نديه
صفراء من ذل وحمى
ذل شحاذ غريب بين العيون الأجنبية
بين احتقار، وانتهار، وازورار.. أوخطيه
والموت أهون من خطيه
من ذلك الإشفاق تعصره العيون الأجنبية
قطرات ماء.. معدنية

ويعود إلى بغداد بعد انقضاء عدة اشهر يلتقي بأصدقائه القدامى في مقهى حسن، ويقطع صلته بالحركة السياسية التي كان ينتمي إليها بعد تجربته المريرة في الكويت مع بعض رفاقه السابقين الذين عاشوا معه في بيت واحد. ثم يصدر أمر وزاري بتعيينه في مديرية الاستيراد والتصدير العامة، ويستأجر بيتا متواضعا في بغداد ويستدعى عمته آسيه لترعى شؤونه اليومية

تنشر له مجلة الآداب في يونيو 1954 أنشودة المطر تتصدرها كلمة قصيرة جاء فيها من وحي أيام الضياع في الكويت على الخليج العربي ويكتب بعدها المخبر تليها الأسلحة والأطفال وفي المغرب العربي و رؤيا فوكاي و مرثية الآلهة و مرثية جـيكور وينشغل بالترجمة والكتـابة، وتحل سنة1955 حـيث يتزوج من إقبال شقيقة زوجة عمه عبد اللطيف، وهى معلمة في إحدى مدارس البصرة الابتدائية

في العام نفسه نشر ترجماته من الشعر المعاصر في كتاب سماه قصائد مختارة من الشعر العالمي الحديث يحتوى على عشرين قصيدة لأليوت وستويل وباوند سبندر ودي لويس، ودي لامير و لوركا ونيرودا ورامبو وبريفير، وريلكه طاغـور وناظم حكمت وغيرهم

وتقوم حرب السويس اثر العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 ليكتب بعـدها السـيـاب قصيدته بور سعيد ألقاها في اجتماع عقد في دار المعلمين العالية ببغداد تضامنا مع شعب مصر وفى،2 ديسمبر 1956 تولد ابنته البكر غيداء، التي ستصبح مهندسة فيما بعد



ويتعرف في شتاء1957 على مجلة جديدة ستلعب دورا هاما في مرحلته الفنية الجديدة تلك هي مجلة (شعر) اللبنانية كان محررها يوسف الخال وسرعان ما أصبح السياب أحد كتابها العديدين من دعاة التجديد في الشعر العربي مثل أدونيس وأنسي الحاج وجبرا إبراهيم جبرا وتوفيق صايغ، لتبدأ قطيعته مع مجلة الآداب التي تبنت نتاجه المدة السابقة

وبدعـوة من المجلة الجديدة يسافر إلى بيروت لاحياء أمسية شعرية تعرف خلالها على أدونيس و أنسي الحاج وشوقي أبى شقرا وفؤاد رفقه ويوسف الخال، ويعود إلى بغداد أشد ثقة بشاعريته. واكثر إحساسا بالغبن في بلده حيث يجابه وعائلته مصاعب الحياة براتب ضئيل

وتستهويه الأساطير التي دلها عليه (الغصن الذهبي) لجو فريزر والذي ترجم جبرا فصلا منه، فيكتب قصائد مثل المسيح بعد الصلب و(جيكور والمدينة) و(سربروس في بابل) و (مـدينة السندباد) وهى قصائد تمتلئ بالرموز مثل المسيح ويهوذا وتموز وعشتار وسربروس والسندباد، ويجئ يوم 23 نوفمبر 1957 لتكتحل عينا الشاعر بابنه غيلان وقد كثف بدر فرحه بمولوده في قـصيـدته مرحى غيلان و فيها يقول

بابا .. بابا

ينساب صوتك في الظلام إلى كالمطر الغضير
ينساب من خلل النعاس وأنت ترقد في السرير
من أي رؤيا جاء؟ أي سماوة؟ أي انطلاق؟
وأظل أسبح في رشاش منه، أسبح في عبير
أن أودية العراق
فـتـحت نوافـذ من رؤاك على سهادي
كل واد
وهبته عشتار الأزاهر والثمار
كأن روحي
في تربة الظلماء حبة حنطة
وصداك ماء أعلنت بعثي
يا سماء
هذا خلودي في الحياة
تكن معناه الدماء

وتأتى صبيحة 14 يوليو 1958 لتعلن عن نهاية الحكم الملكي على يد الجيش وتنسحب الجمهورية الوليدة من حلف بغداد تركيا، إيران، باكستان، العراق وتخرج من كتلة الإسترليني وتعلن قانون الإصلاح الزراعي وتطلق سـراح السجناء السياسيين، ويحس بدر أن ما تمناه طويلا قد تحقق، غير أن آمال بدر قد تهاوت اثر الانقسامات والاحترابات التي عصفت بالمجتمع آنذاك

وفى السابع من أبريل 1959 فصل من الخدمة الحكومية لمدة ثلاث سنوات بأمر وزاري لتبدأ من جديد رحلة التشرد والفقر، كان نتاجها عدد من القصائد مثل العودة لجيكور و رؤيا في عام 1956 و المبغى

في يوليو 1960 يذهب إلى بيروت لنشر مجموعة من شعره هناك، وتوافق وجوده مع مسابقة مجلة شعر لأفضل مجموعة مخطوطة فدفع بها إلى المسابقة ليفوز بجائزتها الأولى (1000 ل. ل) عن مجموعته أنشودة المطر التي صدرت عن دار شعر بعد ذلك

وعاد إلى بغداد بعد أن ألغي فصله وعين في مصلحة الموانئ العراقية لينتقل إلى البصرة ويقطن في دار تابعة للمصلحة في الوقت نفسه بدأت صحته تتأثر من ضغط العمل المضني والتوتر النفسي، غير انه اعتقل ثانية في 4 فبراير 1961 ليطلق سراحه في 20 من الشهر نفسه، و أعيد تعيينه في المصلحة نفسها، غير أن صحته استمرت بالتدهور فقد بدا يجد صعوبة في تحريك رجليه كلتيهما وامتد الألم في القسم الأسفل من ظهره
في 7 يوليو 1961 رزق بابنته آلاء في وقت ساءت فيه أحواله المالية، وغدا مثل قصبة مرضوضة. وحملته حالة العوز إلى ترجمة كتابين أمريكيين لمؤسسة فرانكلين، جرت عليـه العـديد من الاتهامـات والشكوك

ثم تسلم في العام نفسه دعوة للاشتراك في (مؤتمر للأدب المعاصر) ينعقد في روما برعاية المنظمة العالمية لحرية الثقافة

ويعود إلى بفداد و من ثم إلى البصرة- محلة- المعقل- حيث الدار التي يقطنها منذ تعين في مصلحة الموانئ، يكابد أهوال المرض إذ لم يعد قادرا على المشي إلا إذا ساعده أحد الناس ولم يعد أمامه سوى السفر وهكذا عاد إلى بيروت في أبريل 9962 في 18 أبريل 1962 أدخل مستشفى الجامعة الأمريكية في بيروت، وبعد محاولات فاشلة لتشخيص مرضه غادر المستشفى بعد أسبوعين من دخوله إليه بعد أن كتب قصيدته الوصية يخاطب فيها زوجته

إقبال، يا زوجتي الحبيبه
لا تعذليني، ما المنايا بيدي
ولست، لو نجوت، بالمخلد
كوني لغيلان رضى وطيبه
كوني له أبا و أما وارحمي نحيبه


ويزوره اكـثر من طبيب في مرضه الميؤوس منه، وتنفد النقود التي تبرع بها أصدقاؤه له، وينشر له أصحابه ديوانه المعبد الفريق عن دار العلم للملايين لكن الدخل الضئيل الذي جناه منه لم يسد نفقات علاجه، وازدادت حاله سوءا وابتدأت فكرة الموت تلح عليه وهو ما نراه في قصيدة نداء الموت ليعود بعدها مدمرا نهاية سبتمبر 1962 تلاحقه الديون إلى البصرة، وتكفلت المنظمة العالمية لحرية الثقافة بنفقاته لعام كامل بعد أن رتبت له بعثة دراسية

يقول جبرا إبراهيم جبرا
في أواخر عام 1961 كانت وطأة المرض في بدء شدتها على الشاعر، حتى أخذ يفكر في أن لابد له من علاج في لندن قد يطول. ولما كان قد حصل على زمالة دراسية، كان الاقتراح أن ينخرط طالبا في جامعة إنكليزية للدراسة من أجل الدكتوراه

في أثناء ذلك ينصرف أيضا لمعالجة مرضه. وكان عندها أن سعيت له مع صديقي المفكر العربي الأصل، الأستاذ ألبرت حوراني، الأستاذ في جامعة أكسفورد لقبوله بأسرع ما يمكن، وكان التأكيد على السرعة

فأبدى الأستاذ حوراني حماسة للفكرة، و حاول أن يجد له مكانا في الجامعة غير أن قبوله لم يكن ليتم في الحال - والذين حاولوا أيجاد مكان لهم في أكسفورد يعلمون بالمدة الطويلة التي لابد من انقضائها أحيانا بين تقديم الطلب و القبول النهائي- ولما لم يكن ثمة مجال للانتظار

ومرض بدر في تصاعد سريع أخذ يعيق عليه سيره، استطاع الأستاذ حوراني أن يجد له قبولا في جامعة درم وهي من جامعات شمال إنكلترا، المعروفة بدراساتها الشرقية وفي أوائل خريف 1962 سافر در إلى إنكلترا لأول مرة والمرض يكاد يقعده، وتوجه إلى مدينة درم، وهو شديد القلق و المخاوف على حالته الصحية

درم مدينة جبلية صغيرة، ابتنت شهرتا على وجود جامعة فيها هي من أفضل الجامعات البريطانية. بيد أنها رغم جمالها الطبيعي، وجمال كلياتها التي يتباهى بعضها بروائع هندستها المعمارية، مدينة يلفها الضباب في معظم أيام السنة، ولقربها من مناجم الفحم المحيط بها من كل صوب، يشتد فيها الضباب قتاما أيام الخريف و الشتاء لدرجة الكآبة

وهي في مثل هذا القتام الكئيب أدركها بدر وهو ينوء بعبء سقامه. ويبدو أنه أقام فيها بضعة أيام كانت له أيام خيبة ومرارة، كتب في كل يوم منها. ولم يستطع أن ير أحدا، ولم يره أحد. واستقل القطار بعدها عائدا إلى مستشفي في لندن، حيث نظم شعرا كثيرا يحمل بعض ما أحس به من كآبة في تلك المدينة الصغيرة التي لم تتح له أن يرى فيها شيئا من فتنة كان يتوقعها

في نهاية عام 1968، إذ كنت في جولة بين بعض الجامعات الإنكليزية أحاضر عن الأدب العربي، ذهبت إلى درم لأول مرة، وألقيت فيها محاضرة على جمهور جامعي، وكان التجاوب بيننا حارا، طيبا. وتحدثت عن بدر، وذكرت كيف انه انخرط طالبا في درم، ولو لأيام قلائل، وتوقعت أن يكون بين الأساتذة على الأقل من يعلم بذلك

وكانت الدهشة كبيرة : السياب طالب في درم
لم يعلم بذلك أحد. لم يكن قد سمع بذلك أحد، حتى من المعنيين بالدراسات المعاصرة. دهشة طيبة، ولكن، رحماك يا بدر، لم تعلم الجامعة حتى بمجيئك

لكنت ضحكت ولا ريب، غير أنها الآن تعلم، وتفخر بأنك قضيت فيها عدة من أيام في مستشفى لندن كتب السياب العديد من القصائد لعل من أهمها سفر أيوب لك الحمد مهما استطال البلاء

و مهما استبد الألم

لك الحمد، إن الرزايا عطاء

وان المصيبات بعض الكرم

وفي درم كتب قصيدة الليلة الأخيرة وكانت زيارته إلى درم تجربة مريرة في الوحدة والبرد والمرض، وهناك اسـتعان بعكاز اصطحبه إلى لندن حيث لزم غرفته فقيرا وحيدا بانتظار تحويل مصرفي من المنظمة العالمية لحرية الثقافة في باريس

وبين الأمل واليـأس والمراسلات المستمرة انقضت أيامه في المستشفى موحشة باردة حتى صدرت مجموعته منزل الأقنان في بيروت- مارس 1963 بعد أن غادر بدر المستشفى بأيام قليلة، ليكتب بعدها مجموعة قصائد اشهرها شناشيل ابنة الجلبي مستذكرا كعادته طفولته وصباه في جيكور وأبي الخصيب وبين أفياء النخيل الوارفة وظلال البساتين ومجارى الأنهار
وفى15 مارس 1963 طار إلى باريس في طريق العودة إلى الوطن تحت إلحاح زوجته ورسائلها التي تصف الحالة المزرية التي ترزح تحت وطأتها العائلة، وفى باريس عرفه أصحابه بلا جـدوى على عـدد من الأطباء الفرنسيين، وفى 23 مارس 1963 غادر باريس على كرسي متحرك من مطار أورلي

وقد ذكرت لوك نوران كيف جاءت هي وأدروار طربيه و ماري جورج و سيمون جارجي لتوديع بدر في المطار فبدا بدر لها وكأنه ذاهب ضد الزمن وضد الموت

وعندما جاءت المضيفة لتأخذه إلى ذلك الجانب الغامض من المطار حيث لا يسمح بدخول أحد غير المسافرين، وعندما دفعت كرسيه الدراج إلى الباب فانفتحت دفتاه ثم أغلقتا مثل فخ، شعرنا بقلبنا يتوقف

فقد اختفى بدر وهو عالق بابتسامة المضيفة بتجلد. كان قد التفت نحونا وهز يده ولكننا كنا نعلم أنه كان يغور في الفراغ. كان بدر يموت للمرة الأولى بالنسبة لنا، بينما ابتسامة الموت ترتسم على شفتي امرأة

ولم يمر أسبوعان على وصول بدر إلى البصرة، حتى فصل من الخدمة الحكومية لمدة ثلاث سنوات ابتداء من 4 نيسان 1963 بناء على مقتضيات المصلحة العامة، واستنادا لأحكام المادة 2-أ من قانون تطهير الجهاز الحكومي رقم 2 لسنة 1958

كانت هذه صدمة شديدة زادت من هموم بدر/ فكتب رسالة إلى لجنة الاعتراضات الخاصة بالمفصولين و المعزولين، وأرسلها إلى بغداد وفيها يحتج لبراءته و يؤكد ولاءه للعهد الجديد. ولكنه قبل النظر في أمره كان بلا عمل وبلا دخل وكانت أول قصيدة كتبها بعد رجوعه إلى البصرة هي ليلة في العراق

وعدت إلى بلادي، يالنقالات إسعاف

حملن جنازتي، ماتمدد فيها أثن رأيت غيلانا

يحدق ، بانتظاري، في السماء وغيمها السافي

و ما هو غير أسبوعين ممتلئين أحزانا

ويفجأني الن1ير بأن أعواما من الحرمان و الفاقة

ترصد بهي هنا، في غابة الخوذ الحديدية

بعد ذلك بدأ بدر يعمل كمراسل أدبي لمجلة حوار في العراق، بعد أن نال موافقة جون هنت، سكرتير المنظمة العالمية لحرية الثقافة في بباريس. وبدأ يرسل إلى توفيق صايغ محررها في بيروت، تقارير فصلية عن الحركة الأدبية في العراق،وكان يدفع له أربعين دولارا على التقرير

وصار ينشر شعره كذلك في هذه المجلة التي كانت تدفع لكتابها مبالغ طيبة. و كانت الأوساط الفكرية القومية قد بدأت ترتاب بها و تهاجمها على أنها أداة من أدوات الاستعمار الغربي وتسلله الثقافي

ولم تتحسن صحته بدر على الرغم من أنه واصل اخذ الدواء الذي وصفه له الدكتور في باريس، وسال سيمون جارجي أن يرسل له المزيد منه. وكان يستصعب المشي الآن حتى بعكاز، وقد وقع على الأرض مرارا وهو يحاول المشي مجررا قدميه. و عندما مات أبوه في أوائل 1963 ، في عيد الأضحى، لم يستطع أن يذهب إلى المسجد لحضور جنازته. وكان يقضي معظم وقته في البيت

ولم يكتب شعرا مدة طويل، ولكنه عمل على ترجمة فصول عينها له جبرا من كتاب الشعر و النثر الأمريكيان الذي كان سينشر في بيروت بتكليف من مؤسسة فرنكلين في بغداد باشتراك مترجمين آخرين

وفي هذا الوقت قبل بدر أن يعالجه بدوي من الزبير، فكوى ساقيه وظهره بالنار ثم أعطاه بعض المراهم ليدهن بها أطرافه المشلولة. لم يكن لهذا (العلاج) فائدة وقبل بل بدر في يأسه كذلك أن يعالجه سادات البصرة من الرفاعية الذين كانوا يدعون العلم بالعلاج الروحاني

فحل عندهم يومين تحسنت صحته بعدهما، ربما بفعل الإيحاء الذاتي، لكن التحسن كان قصير الأجل. ولم يعد تعيين بدر في وظيفته السابقة في مصلحة الموانئ العراقية إلا في 11 تموز 1963

وكان صديقه مؤيد العبدالواحد يرافقه يوميا إلى العمل ومنه إلى البيت. لكن بدر لم يكن في الواقع قادرا على شيء يذكر من العلم في حالته السيئة تلك. و كتب إلى سيمون جارجي في 21 تشرين الأول 1963 يقول : إنتاجي الشعري، هذه الأيام، قليل جدا، وذلك لانعدام أية تجربة شعرية جديدة

إنني نادرا ما أغادر الدار إلا إلى مقر عملي. كما أنى سئمت من الضرب على وتر أنا مريض فيما أكتب من شعر
وقد فكر بدر، وهو يعيش ذكريات الماضي وينتج القيل من الشعر، أن يعيد شيء من شعر الباكر فاختار من أزهار ذابة- القاهرة 1048- و أساطير -النجف 1950- عددا من القصائد ولا سيما من المجموعة الأخيرة، فشذبها وهذبها وحذف منها قليلا، ونشرها في بيروت في تشرين الأول 1963 بعنوان أزهار وأساطير

وكان مجرى الأحداث السياسية في العراق يسوء فحيث كان بدر يأمل أن يرى جبهة متضامنة تؤيد العهد الجديد الذي أطاح بقاسم، كان هناك صراع على السلطة. وكان البعثيون يحاولن السيطرة على البلاد، لكن الرئيس عبد السلام عارف والجيش أحبطا خططهم في تشرين الثاني 1963

وكان الصراع على السلطة يعتبر أهم من الوحدة الوطنية و تنفيذ الإصلاحات الواسعة التي وعدت بها ثورة 14 تموز 1958، وأعادت تأكيدها ثورة 41 رمضان 1382 8 شباط 1963

لكن بدرا كان قد بلغ به المرض حدا ما عاد به يقوى على الاهتمام. بل أنه كان يشعر كأنه أسير في سفينة قراصنة، أزيل ربانها وقام ثان طموح مكانه لن يلبث أن يزال أيضا، وهكذا باستمرار

وفي 29 تشرين الثاني 1963 كتب قصيدة أسير القراصنة يصف فيها حسرته لأنه مشلول، ويتمنى لو كان يستطيع المشي ويفضل ذلك على كونه شاعرا يعزف القيثار باسم الجراح ، ثم يقول لنفسه
و أنت في سفينة القرصان عبد أسير دونما أصفاد تقبع في خوف وإخلاد تصغي إلى صوت الوغى

والطعان
سال دم
اندقت رقاب ومال
ربانها العملاق
وقام ثان بعده ثم زال
فامتدت الأعناق
لأي قرصان سيأتي سواه
و أي قرصان ستعلو يداه
حينا على الأيدي ؟
وليأت من بعدي
من بعدي الطوفان
تسمعها تأتيك من بعد
يحملها الإعصار عبر الزمان

وكان بدر في غضون ذلك هدفا لحملات صحفية بسبب تناقضاته السياسية في الماضي وموقفه غير الملتزم في الحاضر. وكانت علاقاته بمجلة جوار و المنظمة العالمية لحرية الثقافة تذكر ضده

وكان معظم الناس يحكم عليه أشد الحكم بناء على ما كتب أو ما كان يكتب ولكن قلائل كانوا يعلمون حقا مبلغ مرضه ومدى ضعفه، إذ كانوا لا يزالون يحسبون أنه عملاق الشعر العربي الحديث الذي يجب أن يكون دائما عند كلمته بينما لم يكن عند بدر الا أن يندب حظه ويتحسر على عمره الضائع ويرغب في الموت
قال في رسالة إلى صديق : ( لا أكتب هذه الأيام إلا شعرا ذاتيا خالصا. لم اعد ملتزما. ماذا جنيت من الالتزام؟ هذا الفقر وهذا المرض؟ لعلي أعيش هذه الايام آخر أيام حياتي

إنني أنتج خير ما أنتجته حتى الآن. من يدري؟ لا تظن أنني متشائم، العكس هو الصحيح لكن موقفي من الموت قد تغير

لم أعد أخاف منه، ليأت متى شاء. أشعر أنني عشت طويلا. لقد رافقت جلقامش في مغامراته، وصاحبت عوليس في ضياعه، و عشت التاريخ العربي كله ألا يكفي هذا؟ تمثال السياب



وكانت حالته الصحية تزداد سوءا كل يوم وكاد فقد القدرة على الوقوف الآن كان طريح الفراش في إجازة مرضية وقد بدأت تظهر له في منطقة الأليتين قرحة سريرية جعلت تتوسع لطول رقاده في السرير

ولم يعد قادرا على ضبط حركتي التبول و إفراغ الأمعاء لضعف الأعصاب الاحساسية والعضلات الضابطة في جذعه الأسفل

ومرت بامرأته أيام عصيبة وهي تتفانى في خدمته وتوفر أسباب الراحة له وعلى الرغم من أنه كان يتمتع بكامل قواه العقلية فانه كان أحيانا يتهمها بعدم العطف عليه

وفي كانون الثاني 1964 سمع بدر بوفاة الشاعر لويس مكنيس، فكتب قصيدة لهذه المناسبة. ولكنه لم يستطع أن يحجم عن الإشارة إلى مرضه وغربته عن زوجته وتمنى الموت. وكان يدخن كثيرا ويأكل قليلا جدا

واذا به في 9 شباط 1964 في حالة صحية حرجة استدعت إدخاله إلى مستشفي الموانئ في البصرة، وهو يعاني ارتفاع حرارته إلى أربعين درجة مئوية، بالإضافة إلى عسر في التنفس مع ازرقاق الشفتين وسعال شديد

و بعد الفحص تبين أنه مصاب بذات الرئة المزدوجة وبداية خذلان القلب، وإسهال شديد مع تقيؤ، وقرحة سريرة متعفنة قطرها 25 سنتيمترا في المنطقة الحرقفية، بالإضافة إلى شلل أطرافه السفلى وهزاله الشديد

فوضع مدة أسبوع كامل تحت المعالجة الخاصة بالحالات الطارئة الحرجة في المستشفى الحكومي، وبعد أن زال الخطر عن حياته مباشرة، وبعد أن بدأت حالة قلبه ورئتيه تتحسن عولج لإزالة الإسهال الذي كان يزيد قرحته السريرية سوءا

وعندما بدأ الإسهال يزول اصبح في الإمكان معالجة قرحته السريرية، فتحسنت حالتها و أصبحت غير متقيحة. غير أن التئامها بطريقة نمو الأنسجة الذاتي كان مشكوكا فيه إلا بعملية رقع الجلد

وقد كتب بدر بهذا الشأن رسالة مؤثرة إلى توفيق صايغ يسأله فيها أن يرسل مسحوقا طبيا لجراح الناغرة و الفاغرة يشتريه له من صيدليات بيروت

وقد أعطي بدر كميات كبيرة من الأدوية المقوية ، فضلا عن الكميات الإضافية من الحليب و اللحوم و الأسماك و الفواكه، مع العلم أنه لم يكن في المستشفى إلا أسرة من الدرجة الثالثة التي لا تقدم لها هذه الأغذية وبمثل هذه الكميات

فازداد وزن بدر اكثر من ثمانية كيلوغرامات، وبوشر باجرء تمارين رياضية بسطة لأطرافه السفلى. و كان الطبيب يعلم أن لا علاج لمرض التصلب المنتشر في النخاع الشوكي المسبب للشلل، ولكنه اقترح أن ينقل بدر إلى أحد مستشفيات بغداد ليوضع تحت إشراف طبيب أخصائي بأمراض الجهاز العصبي

وفي أول نيسان 1964 انتهت المدة التي يحق لبدر فيها أن ينال إجازات مرضية واجازات اعتيادية براتب تام 54 دينارا عراقيا، وكذلك المدة التي يحق له فيها أن ينال إجازات مرضية بنصف راتب، بمقتضى أحكام قانون الخدمة المدنية رقم 24 لسنة 1960

ولكنه لم يستطع أن يغادر المستشفى لاستئناف العمل في مصلحة الموانئ. لذلك بدأت مدة الإجازة المرضية بدون راتب التي يسمح بها القانون، وطولها 180 يوما وفي 8 نيسان 1964 أرسلت جمعية المؤلفين و الكتاب العراقيين ببغداد، وكان بدر عضوا فيها، رسالة إلى وزارة الصحة العراقية تتوسط لديها لمعالجة بدر

وجوابا على استفسارات الوزارة، أرسلت الجمعية رسالة أخرى في 26 نيسان 1964 فيها معلومات عن حالة بدر المرضية و معالجته في مستشفى الموانئ، مع رجاء حار بسرعة توفير الأخصائيين الطبيين لمساعدة بدر

ولكن الرسميات في الدوائر الحكومية طالت، بحيث أن شهر حزيران 1964 كاد ينتهي قبل أن تتخذ ترتيبات لنقل بدر بالقطار إلى بغداد ليوضع في غرفة من الدرجة الأول ويعالج في مستشفى الشعب ببغداد وصدرت دعوة المستشفى بتاريخ 29 حزيران 1964، ولكنها لم تصل بدرا إلى في 5 تموز 1964

وكانت ترتيبات خاصة أخرى قد اتخذت قبل ذلك لمعالجة بدر في الكويت وذلك أن الشاعر الكويتي علي السبتي كان قد نشر نداء موجها لوزير الصحة الكويتي عبداللطيف محمد الثنيان يناشده فيه معالجة بدر في الكويت على حساب الحكومة الكويتية فرحب وزير الصحة بذلك وكان معجبا بشعر بدر فاتخذت الترتيبات لأن يجئ بدر إلى الكويت بالطائرة ليعالج في المستشفى الأميري

في 5 تموز 1964، كتب بدر كلمة شكر واعتذار على رسالة الدعوة التي جاءت من مستشفى الشعب ببغداد يشرح الترتيبات السابقة مع الحكومة الكويتية. وفي 6 نموز طار إلى الكويت على إحدى طائرات الخطوط الجوية العراقية وكان وحده

فاستقبله في المطار الكويتي صديقه علي السبتي مع أصدقاء آخرين. وادخل المستشفى الأميري في الحال ووضع في غرفة خاصة و أحيط بكل عناية واهتمام
غير أن لا عناية ولا اهتمام مهما حسنا كان بإمكانهما أن يعيدا الصحة لبدر فقد كانت صحته في تأخر وانحدار متزايدين، وكان التصلب يسوء صعدا في نخاعه الشوكي ويزيد في إفساد وظائف جهازه العصبي،

وكانت رجلاه الضامرتان بلا قوة، وقد أدى عدم استعمالهما إلى بداية فساد في العظام نفسها ولكنه كان متمالكا لجميع قواه العقلية، وكان برى أنه يعيش في حضن الموت

و لم يكن في حاجة لأن يقول له أحد أن أيامه كانت معدودة. لماذا إذن اذلال الجسد، ولماذا آلام الروح؟ ليأت الموت سريع، وليأت فجأة

وفي ليلة 9 تموز 1964 كتب قصيدة عنوانها في غابة الظلام بينما كان ساهرا يفكر بحالته الحزينة وبابنه غيلان يحلم بعودة والده، وختمها بقوله

أليس يكفي أيها الإله

أن الفناء غاية الحياه

فتصبغ الحياة بالقتام ؟

سفينة كبيرة تطفو على المياه؟

هات الردى ، أريد أن أنام

بين قبور أهلي المبعثرة

وراء ليل المقبرة

رصاصة الرحمة يا اله

لقد بلغ به اليأس مبلغا حتى أنه طلب من الله رصاصة الرحمة، طلب موتا فجائيا ينهي شقاءه برحمة

وكان يزوره في المستشفى يوميا كثيرون من أصدقائه مثل علي السبتي وناجي علوش، وإبراهيم أبوناب وفاروق شوشه وسلمى الخضراء الجيوسي مع زوجها. وكان وزير الصحة الكويتي وغيره من كبار الرسميين الكويتيين يزورونه كذلك، ولم يكن بدر وحيدا ، بل أنه في الواقع كان ينزعج أحيانا من طول جلسات الشعراء و الكتاب والصحفيين التي كانت تدوم إلى ساعات متأخرة من الليل

وما أعظم ما كنت سعادته حين تسلم رسالة من زوجته في 3 آب 1964، فكتب قصيدة عنوانها (رسالة) يصف فيها شعوره بالقلق على أسرته. وفي ليلة 5 آب 1964 كان يفكر مشتاقا بابنتيه غيداء وآلاء وينتظر وصولهما مع غيلان وزوجته إقبال في اليوم التالي. فكتب قصيدة عنوانها (ليلة انتظار)، وفيها يقول

غدا تأتين يا إقبال ، يا بعثي من العدم

ويا موتي ولا موت

ويا مرسى سفينتي التي عادت ولا لوح على لوح

ويا قلبي الذي إن مت أتركه على الدنيا ليبكيني

ويجأر بالرثاء على ضريحي وهو لا دمع ولا صوت

أحبيني ، إذا أدرجت في كفني .. أحبيني

ستبقى - حين يبلى كل وجهي ، كل أضلاعي

وتأكل قلبي الديدان ، تشربه إلى القاع

قصائد .. كنت أكتبها لأجلك في دواويني

أحبيها تحبيني

ووصلت إقبال و أولادها إلى الكويت في اليوم التالي ونزلوا في بيت علي السبتي خلال اقامتهم في الكويت. وكانت إقبال تزور زوجها في المستشفى كل يوم فتؤنسه وتخدمه

وكانت رؤية أطفاله تدمي قلبه على رغم ما كانت تدخل إليه من سعادة. فقد كان يعلم أنه مائت وتاركهم وراءه
ولم يكن بدر الآن قادرا على كتابة الشعر بتدفق كالسابق.

على الرغم من الحافز الأقوى على الكتابة وفي 14 آب 1964 كتب قصيدة (المعول الحجري) وفيها يقول

رنين المعول الحجري يزحف نحو أطرافي

سأعجز بعد حين عن كتابة بيت شعر في خيالي جال

فدونك يا خيال مدى و آفاق ألف سماء

وفجر من نجومك ، من ملايين الشموس من الأضواء

وأشعل في دمي زلازال

لأكتب قبل موتي أو جنوني أو ضمور يدي من الإعياء

خوالج كل نفسي ، ذكرياتي ، كل أحلامي

و أوهاني

و اسفح نفسي الثكلى على الورق

ليقرأها شقي بعد أعوام وأعوام

ليعلم أ، أشقى منه عاش بهذه الدنيا

وآلى رغم وحش الداء والآلام و الأرق

و رغم الفقر أن يحيا


وينهي بدر قصيدته مودعا أصدقاءه وأحباءه، وهو يعلم أن مرضه لن يسمح له بمزيد من الحياة

وفي ليلة 21 آن 1964 كتب قصيدة عنوانها ليلة وداع أهداها إلى زوجتي الوفية وفيها يعبر بدر عن حبه لزوجته وعطفه عليها وشعوره معها في وحدتها ويتمنى لو كان بمقدورها أن تشعر معه ويقول

آه لو تدرين ما معنى ثوائي في سرير من دم
ميت الساقين محموم الجبين
تأكل الظلماء عيناي ويحسوها فمي
تائها في واحة خلف دار من سنين
و أنين
مستطار اللب بين الأنجم


وعندما يتحدث عن حبه لها يتمنى لو كانت أقل غيرة و أكثر صراحة ويقول

آه لو كنت كما كنت صريحه

لنفضنا من قرار القلب ما يحشو جروحه

ربما أبصرت بعض الحقد ، بعض السأم

خصلة من شعر أخرى أو بقايا نغم

زرعتها في حياتي شاعره

لست أهواها كما أهواك يا أغلى دم ساقى دمي

إنها ذكرى ولكنك غيرى ثائره

من حياة عشتها قبل لقانا

أوصدي الباب . غدا تطويك عني طائرة

غير حب سوف يبقى في دمانا


عادت زوجته و أطفاله إلى العراق في اليوم التالي
وكان بدر خلال اقامته في المستشفى يكسب بعض المال بنشر قصائده في الصحف الكويتية التي كانت تدفع له جيدا.

ومنه مجلة (الرائد العربي) التي كان يحرر فيها إبراهيم أبو ناب، فكانت تدفع له عشرة دنانير عن كل قصيدة

وكان بدر في غضون ذلك يقوم باتصالات لنشر مجموعة جديدة من شعره لدي دار الطليعة في بيروت، بعنوان شناشيل ابنة الجلبي وكانت صحته قد هبطت هبوطا شديدا.

وفقد الشهية للطعام وزاد هزاله. وعلى الرغم من تعاطي الأدوية المقوية فقد بلغ ضعفه درجه
أصبح معها يجد صعوبة في الكلام أحيانا

وقد أصيب بكسر في عنق عضل فخذه اليسرى بينما كانت المدلكة تقوم بتدليكه، وذلك لذوبان الكلس في العظام

وفي أيلول 1964 أصيب مرتين بالنزلة الصدرية وصل فيها إلى حالة خطيرة كادت تودي بحياته لولا العلاجات التي أعطيت له بكميات كبيرة

وفي أواخر أيلول 1964 عندما لم يكن بعد قد تغلب على نزلته الصدرية أرسلت له مصلحة الموانئ العراقية في البصرة رسالة تخبره فيها أنه ابتداء من بعد ظهر 27 أيلول 1964 انتهت مدة أجازته المرضية البالغة 180 يوما بدون راتب، وأنه لعدم استئنافه العمل أحيل على التقاعد استنادا لأحكام الفقرة 30ب من المادة 46 من قانون الخدمة المدنية رقم 24 لسنة 1960.
ولم يكن أثر هذه الرسالة في بدر حسنا بالطبع

وقفي تشرين الأول 1964 بلغ الضعف حدا لم يعد منه قادرا على الأكل، واستوجبت الحالة تغذيته بواسطة أنابيب تدلى من أنفه. وقد أرسلت له جمعية المؤلفين و الكتاب العراقيين ببغداد منحة مالية قدرها مائة دينار عراقي في محاولة لمساعدته ماليا ومعنويا.
بيد أن أية مساعدة لم تكن مجدية

وبدأت تنتاب بدرا نوبات من الهذيان و التصورات الوهمية، فان هزاله وضعفه الشديد و اضطراب جهازه العصبي بدأت تؤثر في دماغه. و كان يستعيد صفاءه الفكري مدة ساعات ليعود بعدها إلى حالة من الاضطراب الفكري
وقد وصفته الشاعرة سلمى الخضراء الجيوسي في هذه الفترة ، فقالت: بدر إلى سرير المستشفى- المستشفى الأميري في الكويت- الغرفة رقم 1 ، وفي أنفه أنبوب الطعام، و الحياة تهجر جسمه الذي أذوته الجهود و الأوجاع، وعذبه ترقب الموت. انه يناديني نعم يا بدر. صوتي مرهق وخافت

إذا ينطلق في هواء الغرفة الساخن الحزين. لقد كنت ارتجف. وأوشك على البكاء هل تعلمين؟ لقد ضاع دفتر شعري الجديد وبصوت لا يكاد يسمع إقبال لم تجئ. ثم بعد لحظات لقد ضاع مني كل شيء

هراء قلتها له ألف مرةإن ما ملكت لا يضيع. ما كان أفقرنا لو ضاع منا ما أعطيت انهم لم يروك كما رأيتك أنا، في تلك النهاية البطيئة التي تحطم القلب الأنابيب و البثور ة الهذيان و الطعام الذي لم يمس

لحظات الصفاء اللامعة ثم الكابوس و الانهيار، مودتك وحكاياتك و طلباتك الصغيرة، ينبوع الشعر الذي ظل يتفجر من قلبك

لقد عرفت لحظة الشعر في نفسك أطراف النقيضين: ينبوع الشعر، والانكسار المغدور البائس و انسحاقه في الموت

ويقول الدكتور محمد أبو هنطش مدير المستشفى الأميري بالكويت ويروي إبراهيم أبو ناب أن بدرا حدثه كيف كان إبليس يحاول جره إلى النار، وكيف كان هو يقاوم ويمانع ويدافع عن نفسه، بأنه ليس الشخص المراد به ذلك

ويقول ناجي علوش أنه كان يسمع بدرا يهذي بالجن و الأرواح ويقول راضي صدوق أن بدرا في لحظات صفائه الفكري، كان يعتذر لأصدقائه عما قد يكون قاله لهم خلال لحظات هذيانه وتصوراته الوهمية

وكان بدر يدخن كثيرا ويشرب الشاي الثقيل. ولم يكتب شعرا مدة طويلة. وفي 10 تشرين الثاني 1964 ، كتب بدر قصيدة عنوانها عكاز في الجحيم وهي على ما يروى علي السبتي آخر ما كتب بدر من قصائد

ولكن هناك قصيدة أخرى غير مؤرخة عنوانها إقبال و الليل يقول فؤاد طه العبد الجليل أخو زوجة بدر الذي نشر مجموعة بدر الأخيرة، إنها قد تكون آخر ما كتب بدر. وربما كتبت في حدود هذا التاريخ

وفي القصيدة الأولى يلخص بدر تاريخ عذابه الذي سجنه في سريره وحد من انطلاقة عبقريته ويقول

وبقيت أدور

حول الطاحونة من ألمي

ثورا معصوبا، كالصخرة، هيهات تثور

والناس تسير إلى القمم

لكني أعجز عن سير - ويلاه- على قدمي

وسريري سجني ، تابوتي، منفاي إلى الألم

و إلى العدم

ثم يقضي في قوله كيف كان يتوقع أن يقدر على المشي يوما ولو على عكازين.
لكنه الآن يرغب أن يسعى على رأسه أو ظهره ليصل القبر ويشق دربه إلى الجحيم.

ويصرخ في وجه موكلها

لم تترك بابك مسدودا ؟ ولتدع شياطين النار
تقتص من الجسد الهاري
تقتص من الجرح العاري
وتأت صقورك تفترس العينين و تنتهش القلبا
فهنا لا يشمت بي جاري
أو تهتف عاهرة مرت من نصف الليل على داري
بيت المشلول هنا ، أمسى لا يملك أكلا أو شربا
وسيرمون غدا بنتيه وزوجته دربا
وفتاة الطفل إذا لم يدفع متراكم إيجار
انثرني ويك أباديدا
وافتح بابك لا تتركه أمام شقائي مسدودا
ولتطعم جسمي للنار

وفي القصيدة الأخرى يلخص بدر في ليلة طويلة ساهرة حبه للعراق وجيكور ولأصدقائه وأقاربه، ولزوجته و أطفاله، ويوجه الكلام لزوجته فيقول

يا أم غيلان الحبيبة صوبي في الليل نظره
نحو الخليج. تصوريني اقطع الظلماء وحدي
لولاك ما رمت الحياة، ولا حننت إلى الديار
حببت لي سدف الحياة، مسحتها بسنا النهار
لم توصدين الباب دوني؟ يا لجواب القفار
وصل المدينة حين أطبقت الدجى ومضى النهار
والباب أغلق فهو يسعى في الظلام بدون قصد

ثم ينهي بدر القصيدة بنغمة عاطفية فيقول

إقبال مدي لي يديك من الدجى و من الفلاه
جسي جراحي و امسحيها بالمحبة و الحنان
بك أفكر لا بنفسي : مات حبك في ضحاه
وطوى الزمان بساط عرسك و الصبى في عنفوان


في كانون الأول 1964 كانت لحظات الصفاء في تفكير بدر تقل وتصبح نادرة ولحظات الاضطراب تكثر وتصبح متصلة تقريبا.
و لم يتعرف على كثيرين من أصدقائه ومعارفه عندما كانوا يزورونه

وبدأت تنتابه، بالإضافة إلى ذلك، حالات إغماء وفقدان الوعي كانت تدوم ساعات فإذا صحا كان كامل الوعي متمالكا لقواه العقلية لا ينقصه شيء سوى قواه الجسدية.

و أخيرا، وفي يوم الخميس الموافق للرابع و العشرين كمن كانون الأول 1964 وقع في غيبوبة وفاضت روحه في الساعة الثالثة بعد الظهر

فأبرق علي السبتي ينعي بدرا لأهلهن وأخبرهم أنه سيصطحب جثمانه إلى البصرة يوم الجمعة في 25 كانون الأول 1964

وكان اليوم يوما ماطرا لم تر المنطقة مثله مدة سنين عديدة. ورافق المطر السيارة التي حملت جثمان بدر من الكويت الى أن وصلت البصرة، في ذلك اليوم الذي كان العالم يحتفل فيه بعيد الميلاد. واستقبلها في البصرة مزيد من المطر

و أخذ جثمان بدر بالسيارة إلى داره في شارع أجنادين بالمعقل. لكن الدار كانت خالية، إذا أن عائلته كانت قد خرجت منها بأمر حكومي في ذلك اليوم نفسه. فأخذ جثمان بدر بالسيارة إلى دار فؤاد طه العبدالجليل في محلة الأصمعي، ولكن لم يكن في البيت أحد، وقيل لعلي السبتي أن الجميع ذهبوا إلى المسجد لاستقبال الجثمان وحضور الجنازة

وسيق الجثمان إلى المسجد حيث اجتمع قلة من الأهل و الأصحاب.

وبعد صلاة الجنازة أخذ جثمان بدر إلى الزبير يرافقه بضعة رجال فقط، فووري التراب في مقبرة الحسن البصري غير بعيد عن قبر ذلك الرجل العظيم

وكان المطر لا يزال ينهمر، ولكن لم يكن يرى في المنطقة نخيل


*************************


الاحتفاء بالسياب في ميلاده الثمانين

عامر صباح المرزوك
صدر عن دار الأرقم للطباعة والنشر في الحلة مؤخراً كتاب (مكتبة السياب: بمناسبة مرور ثمانين عاماً على ميلاد السياب) للباحث الدكتور صباح نوري المرزوك.
كلنا نعرف بدر شاكر السياب الظاهرة الشعرية الحية ورائد الشعر الحر في العراق والعالم العربي، فهو من رواد التجديد والتحديث الشعري.
يقول الدكتور المرزوك في مقدمة الكتاب: (لقد سمعت بأسم السياب لأول مرة سنة 1967م حينما مرت ذكراه السادسة فما كان من مدرس اللغة العربية المصري المنتدب للتدريس في ثانوية الحلة للبنين الا ان ينتهز مرور هذه الذكرى ليتكلم لنا بغزارة عن هذا الشاعر وقد وقفنا على معلومات كثيرة عنه رأينا ان نعرضها على استاذنا لنقوم بأعداد نشرة جدارية عنه، وقد اختير لهذه النشرة الموضوعات المستلة من المعلومات وقد قام الأستاذ عباس بسيوني بدور مهم بتهذيب واخراج وتصحيح هذه الموضوعات.
وكانت الجامعة ندرسه في السنة الرابعة وبعد التخرج وفي العام 1973 تستعد ندوة عشتار في مدينة الحلة لإقامة مهرجان خاص بالشاعر وتم الاتفاق فيه على تكليفي لإصدار كتاب صغير مطبوع على الرونيو أسميته (السياب: مؤلفاته ومصادر دراسته) ليوزع على حضور هذا المهرجان وبالفعل تم ذلك اعتماداً على أول مصدر ثبت في رصد مؤلفات السياب وهو كتاب "معجم المؤلفين العراقيين في القرنين التاسع عشر والعشرين" للأستاذ كوركيس عواد والمطبوع سنة 1969م......).
ان الموضوعات التي تناولها الباحث وحسب تسلسلها هي: (سيرة السياب، اعمال السياب الشعرية، اعمال السياب النثرية، كتب خاصة بالسياب، كتب فيها ذكر للسياب، المقالات والدراسات عن السياب في الصحف والمجلات، القصائد التي قيلت في السياب، المقابلات والحوارات).
كلنا نعرف ان العمل الببيلوغرافي ليس بالعمل الهين، فقد اخذ جهداً من المؤلف أكثر من ثلاثين عاماً من الجمع والترتيب والتهذيب حتى أصبح لنا كتاب يستفيد منه الباحثون والطلبة لكل ما يتعلق بالسياب من دواوين وكتب ورسائل جامعية وبحوث ومقالات ومقابلات وحوارات بل استطاع الباحث ان يجمع القصائد المهداة والتي قيلت في السياب وهذه نقطة تسجل لصالحه. ولم يكتف بهذا بل اسند ذلك بالتحليل لما فيه ذكر جزئي للسياب وعلى سبيل المثال كتاب د. جابر عصفور (حركات التجديد في الأدب العربي) الفصل الثاني من القسم الثاني: التجديد في الشعر العربي الحديث وأنشودة المطر انظر: ص68، أو يكون العنوان فيه شي من الغموض وعلى سبيل المثال مقال احسان عباس (حفار القبور) حفار القبور: هو الرجل الجائع الذي يموت ان لم يمت الناس، فهو يكره السلام ويتمنى الحرب ويمقت الكسل والخمول في عزرائيل .......


في ليالي الخريف

في ليالي الخريف الحزين
حين يطغى علي الحنين
كالضباب الثقيل
في زوايا الطريق
في زوايا الطريق الطويل
حين أخلو و هذا السكون العميق
توقد الذكريات
بابتساماتك الشاحبات
كل أضواء ذاك الطريق البعيد
حيث كان اللقاء
في سكون المساء
هل يعود الهوى من جديد ؟
عاهديني إذا عاد .. يا للعذاب
عاهديني و مرت بقايا رياح
بالوريقات في حيرة و اكتئاب
ثم تهوي حيال السراج الحزين
انتهينا.. أما تذكرين؟
انتهينا.. و جاء الصباح
يسكب النور فوق ارتخاء الشفاه
و انحلال العناق الطويل
أين آلام الرحيل؟
أين لا لست أنساك و احسرتاه؟
في ليالي الخريف
حين أصغي و لا شيء غير الحفيف
ناحلاً كانتحاب السجين
خاف أن يوقظ النائمين
فانتحى في الظلام
يرقب الأنم النائيات
حجبتها بقايا غمام
فاستبدت به الذكريات
الغناء البعيد البعيد
في ليالي الحصاد
أوجه النسوة الجائعات
ثم يعلو رنين الحديد
يسلب البائس الرقاد !
في ليالي الخريف
حين أصغي و قد مات حتى الحفيف
و الهواء -
تعزف الأمسيات البعاد
في اكتئاب يثير البكاء

شهرزاد

في خيالي فيطغى علي الحنين
أين كنا؟! أما تذكرين
أين كنا ؟! أما تذكرين المساء؟!
في ليالي الخريف الطوال
آه لو تعلمين
كيف يطغى علي الأسى و الملال؟!
في ضلوعي ظلام القبور السجين
في ضلوعي يصبح الردى
بالتراب الذي كان أمي: غدا
سوف يأتي فلا تقلقي بالنحيب
عالم الموت حيث السكون الرهيب!
سوف أمضي كما جئت واحسرتاه
سوف أمضي و ما زال تحت السماء
مستبدون يستنزفون الدماء
سوف أمضي و تبقى عيون الطغاة
تستمد البريق
من جذى كل بيت حريق
و التماع الحراب
في الصحارى و من أعين الجائعين
سوف أمضي و تبقى فيا للعذاب!
سوف تحيين بعدي ، و تستمتعين
بالهوى من جديد
سوف أنسى و تنسين إلاّ صدى
من نشيد
في شفاه الضحايا -وإلا الردى


************



لن نفترق

هبت تغمغم : سوف نفترق ... روح على شفتيك تخترق
صوت كأن ضرام صاعقة ... ينداح فيه ... وقلبي الأفق
ضاق الفضاء وغام في بصري ... ضوء النجوم وحطم الألق
فعلى جفوني الشاحبات وفي ... دمعي شظايا منه أو مزق
فيم الفراق ؟ أليس يجمعنا ... حب نظل عليه نعتنق ؟
حب ترقرق في الوعود سنا ... منه ورف على الخطى عبق

***
أختاه، صمتك ملؤه الريب ؟ ... فيما الفراق ؟ أما له سبب ؟
الحزن في عينيك مرتجف ... واليأس في شفتيك يضطرب
ويداك باردتان : مثل غدي ... وعلى جبينك خاطر شجب
ما زال سرك لا تجنحه ... آه مأججة : ولا يثب
حتى ضجرت به وأسأمه ... طول الثواء وآده التعب
إني أخاف عليك وأختلجت ... شفة إلى القبلات تلتهب

***
ثم إنثنيت مهيضة الجلد ... تتنهدين وتعصرين يدي
وترددين وأنت ذاهلة ... إني أخاف عليك حزن غد
فتكاد نتتثرالنجوم أسى ... في جوهن كذائب البرد
لا تتركي لا تتركي لغدي ... تعكير يومي ما يكون غدي
وإذا ابتسمت اليوم من فرح ... فلتعبسن ملامح الأبد
ما كان عمري قبل موعدنا ... إلا السنين تدب في جسد

***
أختاه لذّ على الهوى ألمي ... فاستمتعي بهواك وابتسمي
هاتي اللهيب فلست أرهبه ... ما كان حبك أول الحمم
ما زلت محترقا تلقفني ... نار من الأوهام كالظلم
سوداء لا نور يضيء بها ... جذلان يرقص عاري الفدم
هاتي لهيبك إن فيه سناً ... يهدي خطاي ولو إلى العدم


*****************


ذبول أزهار الدفلى

لذع الأوام أزاهر الدفل ... فذوت كما يذوي سنا المقل
كانت تعير النهر حمرتها ... فيضيء فيه الموج كالشعل
كانت تعير النهر حلتها ... فيسير في وشى من الحلل
كم زينت بالأمس لبته ... بقلائد المرجان و القبل
و اليوم أطفىء نورها و خبا ... فكأنها لم تند أو تمل
و اليوم أصبح عقدها بددا ... فرأيت جيد النهر في عطل
و لكم مررت بزهرة ذبلت ... فبكيت حين بكيتها أملي
و سقيتها بالراحتين كما ... تسقي السحابة تربة الطلل
فتراعشت في غصنها و هوت ... و مضى النسيم بها على عجل
يا عين أين أزاهر الدفل ... مري بجانب نهرها و سلى
لرجوت لو دامت غضارتها ... وصل التي وعدت فلم تصل
قد كان وشك ذبولها أجلا ... للملتقى ففجعت بالأرجل
و لكنت آمل أن أقبلها ... واعب خمرة حسنها الثمل
أما و قد ذبلت فلا أمل ... لي باللقاء فكيف بالقبل


******************


الأم و الطفلة الضائعة


قفي لا تغربي ياشمس ما يأتي مع الليل
سوى الموتى فمن ذا يرجع الغائب للأهل

إذا ما سدّت الظلماء
دروبا أثمرت بالبيت بعد تطاول المحل ؟
و إن الليل ترجف أكبد الأطفال من أشباحه السوداء
من الشهب اللوامح فيه مما لاذ بالظلّ
من الهمسات و الأصداء
شعاعك مثل خيط للابرنث يشدّه الحب
إلى قلب ابنتي من بات داري من جراحاتي
و آهاتي
مضى أزل من الأعوام آلاف من الأقمار و القلب
يعد خوافق الأنسام يحسب أنجم الليل
يعد حقائب الأطفال يبكي كلما عادوا
من الكتاب و الحقل
و يا مصباح قلبي يا عزائي في الملمات
مني روحي ، ابنتي عودي إليّ فها هو الزاد
و هذا الماء جوعي ؟ هاك من لحمي
طعاما آه عطشى أنت يا أمي
فعبّي من دمي ماء و عودي كلهم عادوا
كأنك برسفون تخطّفتها قبضة الوحش
و كانت أمها الولهى أقل ضنى و أوهاما
من الأم التي لم تدر أين مضيت

في نعش

على جبل ؟ بكيت ؟ ضحكت ؟ هبّ الوحش أم ناما
وحين تموت نار الليل حين يعسعس الوسن
على الأجفان حين يفتش القصّاص في النار
ليلمح من سفينة سندباد ذوائب الصاري
و يخفت صوته لوهن
يجن دمي إليك يحن يعصرني أسى ضار
مضت عشر من السنوات عشرة أدهر سود
مضى أزل من السنوات منذ وقفت في الباب
أنادي لا يرد علي إلا الريح في الغاب
تمزق صيحتي و تعيدها و الدرب مسدود
بما تنفس الظلماء من سمر و أعناب
و أنت كما يذوب النور في دوّامة الليل
كأنك قطرة الطلّ
تشرّبها التراب أكاد من فرق و أوصاب
أسائل كل ما في الليل من شبح و من ظل
أسائل كل ما طفل
أأبصرت ابنتي ؟ أرأيتها ؟ أسمعت ممشاها ؟
و حين أسير في الزحمة
أصغّر كل وجه في خيالي كان جفناها
كغمغمة الشروق على الجداول تشرب الظلمة
و كان جبينها و أراك في أبد من الناس
موزّعة فآة لو أراك و أنت ملتمة
و أنت الآن في سحر الشباب عصيرة القاسي
يغلغل في عروقك ينهش النهدين و الثغرا
و ينشر حولك العطرا
فيحلم قلبك المسكين بين النور و العتمة
بشيء لو تجسد كان فيه الموت و النشوة
و أذكر أن هذا العالم المنكود تملأ كأسه الشقوه
و فيه الجوع و الآلام فيه الفقر و الداء
أأنت فقيرة تتضرع الأجيال في عينيك فهي فم
يريد الزاد يبحث عنه و الطرقات ظلماء
أحدّق في وجوه السائلات أحالها السقم
و لوّنها الطوى فأراك فيها أبصر الأيدي
تمدّ أحسّ أن يدي يدي معهن تعرض زرقة البرد
على الأبصار و هي كأنهمن أدارها صنم
تجّمد في مدى عينيه أدعية و سال دم
فأصرخ في سبيل الله تخنق صوتي الدمعة
بخيط الملح و الماء
و أنت على فمي لوعة
وفي قلبي وضوء شع ثم خبا بلا رجعة
و خلّفني أفتش عنه بين دجى و أصداء


***************

لا تزيديه لوعة

لا تزيديه لوعة فهو يلقاك ... لينسى لديك بعض اكتئابه
قربي مقلتيك من وجهه الذاوي ... تري في الشحوب سر انتحابه
و انظري في غصونه صرخة اليأس ... أشباح غابر لا من شبابه
لهفة تسرق الخطى بين حفنيه ... و حلم يموت في أهدابه
و اسمعيه إذا اشتكى ساعة البين ... و خاف الرحيل- يقوم اللقاء
و احجبي ناظريه, في صدرك المعطار ... وعن ذاك الرصيف المضاء
عن شراع يراه في الوهم ينساب ... وموج يحسه في المساء
الوداع الحزين!! شذى ذراعيك ... عليه على الأسى والشقاء
حدثي حديثيه عن ذلك الكوخ ... وراء النخيل بين الروابي
حلم أيامه الطوال الكئيبات ... فلا تحرميه حلم الشباب
أوهميه بأنه سوف يلقاك ... على النهر تحت ستر الضباب
وأضيئي الشموع في ذلك الكوخ ... وإن كان كله من سراب
كلما ضج شاكيا في ذراعيك ... انتهاء الهوى صرخت انتهارا
فارتمي أين يرتمي صدره الجـ ... ـاش حزناً وحيرة وانتظارا ؟
اغضبي وادفعيه عن صدرك ... القاسي وأرخي على هواه الستارا
أوصدي الباب خلفه.. واتركيه ... مثلما كان.. للدجى والصحارى


*****************


أغنية الراعي

دعي أغنامنا ارعى حيال المورد العذاب
و هيا نعتلي الربوة يا فاتنة القلب
فنلقى تحتنا الوديان في ليل من العشب
خيالانا به طيف من الآمال و الحب
خطايا تبعث الذكرى بقلب الورد و الزهر
سيبقى في غد منها صدى ينساب في النهر
و في الأنداء ما ذابت على وقع خطى الفجر
و في أغنية الرعيان ما بين الربى الخضر
سئمنا العالم الفاني و الناس و مرعانا
لقد سجنوا بأغلال من الأنظار نجوانا
سننشد في أمان من عيون الناس مأوانا
ضعي يدك الجميلة في يدي و لنذهب الآنا
و من أثواب قطعانك يا ريحانة العمر
نحوك شراع زورقنا و نطوي لجة العمر
نغني الموج أغنية الرعاة على الربى الخضر
لقيثار روى أنغامه عن ربه الشعرا
نؤم جزيرة منسية في بحرها النائي
طوى الموج بشطيها جناحيه بأعياء
إليها أومأ المجداف لما ضلها الرائي
و أضحى دمعه يرسم أقمارا على الماء
سنبني كوخنا تحت الغصون بجانب النبع
و نملؤه بما شئناه من زهر و من شمع
و أنغام رواها الوتر السكران بالدمع
و عطر قطفت أزهاره من ذلك الجذع
ستهوي شفتانا فيه نحو القبلة الأولى
فيصغي في صداها خافق ما زال مبتولا
إلى همس المجاديف طواها الليل تقبيلا
إلى نجوى الينابيع بروض بات مطلولا
تعالي نهجر الآثام و الناس و دنيانا
لأرض سبقتنا نحوها بالسير روحانا
هناك نرى المنى و الحب و الأحلام ترعانا
ضعي يدك الجميلة في يدي و لنذهب الآنا


*******************


في يوم عابس

الريح تجأر بالشكاة الى الجداول و النخيل
و السحب واهية النقاب ، تحف بالصحو القتيل
تلقي على الغاب الكئيب ، عبوسة الضجر الملول
و الشمس كالامل البعيد يذوب في الشجن الهذيل
او كالغرام يغيب خلف حوادث الدهر الثقيل
او كالحياة تغور بين دموع ذي سقم عليل
كالبدر يكسفه النهار، كنجمة عند الافول
ضاقت بي الدنيا، و ضقت بها....... كأني في رحيل
في وهدة قفراء بُح ّ بجوها صوت الدليل
لا شيء لي، مما تناثرت تحت عيني في سبيلي
لا عاصفات الريح، لا جرد الا باطح و السهول
لا ظلمة الليل البعيد الغور لا سحر الاصيل
لا نغمة الحادي تطير بها سجيات الهديل
حتى السراب رده عن عيني ربان العليل
فظلت. لا امل يسامرني على الدرب الطويل
فيضيء ساعاتي ..... و لا ذكرى من الامس الجميل



رباه.... و العشرون من عمري تسير الى الذبول
سوداء مكفنة الاهلة بالتنهد و العويل
كانت تمر جريحة رعناء الخيول
ظلماء مطفأة السراج، كأنها بعض الطلول
كانت تمر على الجراح السود في القلب العليل
فالجرح يهوى فوق حرج ِ و القتيل على قتيل
و النار تصلى حر نارِ غير مطفأة الفتيل
ماذا جنيت من الزمان سوى الكآبة و النحول؟
او ارقب الليل الطويل يذوب في الصبح الطويل
و اتابع الشمس المرنحة الشعاع...... الى الافول
و اشبع البدر المسؤوم يغيب ما بين النخيل
لا مأمل لي بالكثير و ر رجاء بالقليل
و اعد ايامي لآسلمها الى الهم الثقيل
و اعيش محروم الفؤاد من الهوى عيش الذليل
و اسرح العراق الكئيب من التلال الى السهول
لآصعد الاهاب دامية و امعن في عويلي
ضاقت بي الدنيا و ضقت بها كأني في رحيل
في وهدة قفراء بُحّ بجوها صوت الدليل



*********************


سراب

بقايا من القافلة
تنير لها نجمة آفله
طريق الفناء
وتؤنسها بالغناء
شفاه ظماء
تهاويل مرسومة في السراب
تمزّق عنها النقاب
على نظرة ذاهلة
وشوق يذيب الحدود
ظلال على صفحة باردة
تحركها قبضة ماردة
وتدفعها غنوة باكية
إلى الهاوية .
ظلال على سلم من لهيب
رمى في الفراغ الرهيب
مراتبة البالية
وأرخى على الهاوية
قناع الوجود
سنمضي .. ويبقى السراب
وظل الشفاه الظماء
يهوم خلف النقاب
وتمشي الظلال البطاء
على وقع أقدامك العارية
إلى ظلمة الهاوية
وننسى على قمة السلم
هوانا .. فلا تحلمي
بأنا نعود !


******************

سوف أمضي

سوف أمضي أسمع الريح تناديني بعيداً
في ظلام الغابة اللفّاء .. والدّرب الطويل
يتمطي ضجراً، والذئب يعوي، والأفول
يسرق النجم كما تسرق روحي مقلتاك
اتركيني أقطع الليل وحيدا
سوف أمضي فهي ما زالت هناك
في انتظاري
سوف أمضي. لا هدير السيل صخّبا رهيبا
يغرق الوادي، ولا الأشباح تلقيها القبور
في طريقي تسأل الليل إلى أين أسير
كل هذا ليس يثنيني فعودي واتركيني
ودعيني أقطع الليل غريبا
إنها ترنو إلى الأفق الحزين
في انتظاري
سوف أمضي حوّلي عينيك لا ترني إليّا
إن سحراً فيهما يأبى على رجلي مسيرا
إن سراً فيهما يستوقف القلب الكسيرا
وارفعي عني ذراعيك ... فما جدوى العناق
إن يكن لا يبعث الأشواق فيّا ؟
اتركيني ها هو الفجر تبدى، ورفاقي
في انتظاري
ثامر داود غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-13-2008, 04:57 PM   #7
زهرة الكاميليا
VIP
ward2u
ward2u
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
الدولة: مصر - اسكندريه
المشاركات: 2,665
زهرة الكاميليا is on a distinguished road
افتراضي

الاخ العزيز ثامر
على كثرة ما قرأت عن بدر شاكر السياب
فلم تصادفنى أبدا مقالات دافئة كهذه ...
و بهذه التفاصيل الدقيقة ...
القريبة هذا القرب من سيرةحياته.
كم استغرقتنى صفحات أزهاره الذابلة
و أوجعت قلبى علّته ...و سؤ الحظ ..و الضجر و الكآبة .
و محاولاته الكسيرة فى الحب و فى الحياة !
و لست انسى قصيدته
هواى البكر
و قد وجه أبياتها لزميلته
لمعان
يا هواى البكر
لا ترى عيناى مما حفّنى
غير أضواء ابتسام و التفات ...
أى صوت نثّ سحرا فى دمى
شاعرّى اللحن غضّ النبرات ...
أنت جمعت المنى فى ساعة
أفتديها بالسنين الماضيات !
×××××××
كانت الذاكرة قد خانتنى فيمن كتب عن ظلام العراق
و كيف هو اجمل ظلام ما دام يحتوى بلاده !
هى إذن للسياب ....


أيخون إنسان بلاده؟
إن خان معنى أن يكون ،فكيف يمكن أن يكون ؟
الشمس أجمل في بلادي من سواها ، والظلام
حتى الظلام - هناك أجمل ، فهو يحتضن العراق !
××××××××
و ليس أثقل من وصيته الموجعة
للزوجة الوفية
إقبال ...
إقبال، يا زوجتي الحبيبه
لا تعذليني، ما المنايا بيدي
ولست، لو نجوت، بالمخلد
كوني لغيلان رضى وطيبه
كوني له أبا و أما وارحمي نحيبه !
×××××××
شكرا لك ثامر ..
و رحم الله بدر شاكر السياب
شاعرا رائدا ...
و إنسانا ...على قلة حظه و معاناته ...
ترك بعضا من أحزانه النبيلة ...
متمثلة فى أشعاره ...
التى يتوارثها الناس
على مر الزمان ...
فلا ينسون الأزهار الذابلة ...
و لا صاحبها بدر شاكر السياب ّ

حبات لؤلؤ

هلي احباب قلبي هلي
تذكرونى الصبح وانتم تفطرون..
.
بعدها صورتي تتوسط البيت ...
المكان اللي احبه بعده موجود...
حديقتنا بعدها محمله ورود ...
و الاغانى اللى أحبها من الطفوله
لأم كلثوم... ولناظم الغزالي...
و للقبنجى حنيت ...

لابوذياتنا .. ومقاماتنا..عتاباتنا ....

وسحر المواويل !
للمقهى القديم ... وشاي ابو الهيل ...
ونيران الشواطي وسمك مسكوف...
الله ينتقم منج يا أيام ...
هلي الطيبين ضاعوا من إيديا !!

كريم العراقى .
زهرة الكاميليا غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الشاعر, السياب, العراقي, بحر, شاكر

أدوات الموضوع

ward2u تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


ward2u المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الفنان العراقي ياسين شاكر ياسين محمد محي الدين منتدى الفنانين العرب 4 11-14-2012 01:04 AM
مؤسس الشعر الحر الشاعر بدر شاكر السياب قاسم نايف المنتدى الثقافي 7 06-29-2011 11:06 PM
الطبيعه بين احضان السحاب بنت تونس منتدى التصوير الفوتوغرافي 7 12-24-2010 02:51 PM
سعد شاكر رائد الخزف العراقي زيد لقمان منتدى الخزف 11 04-25-2010 11:19 PM
الشاعر العراقى الثائر مظفر النواب محمد ورد المنتدى الثقافي 2 12-31-2007 03:14 AM


الساعة الآن 10:29 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.8
Copyright ©2000 - 2014, vBulletin Solutions, Inc.